|
الآية
الثالثة: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ
جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (النمل:
17).
(الحشر) الجمع من أماكن متفرقة. (جنوده)
هو المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له
عند الحاجة إليهم في سفر أراده. (يوزعون)
يكفون عن الخروج عن النظام في السير،
فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من
التأخر عن سابقهم، ويمنعون من الخروج عن
الصفوف إلى اليمين أو الشكال، لأن وزعه
عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي
ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى،
وأعلاهم في ذلك الجن، ثم الإنس، ثم الطير
وفاعل (حشرهم) الأعوان الحاشرون.
وفاعل (وزع) هم الضباط المنظمون.
المعنى:
كان
لسليمان ـ عليه السلام ـ من الجن والإنس
والطير جنود معينون معروفون يتركب منهم
عسكره. يكونون متفرقين، فإذا عرض أمر
جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك
الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين
يجمعونهم عند الحاجة إليهم. فأراد سليمان
أن يسافر، فأمر أعوانه بجمع الجنود
فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم
تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام،
يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم
ويمنعونهم من الخروج عن النظام.
تفصيل:
كما
أن للإنس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن
ينظمهم من رؤسائهم، كذلك يكون للجن،
وكذلك يكون للطير. وسلطة سليمان على الجن
وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها
وفهمها عنه معجزة له، وخصوصية ملك لم
ينبغ لأحد من بعده!!
تاريخ
وقدرة:
تفيدنا
الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك
سليمان.
فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون
عند الحاجة.
وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة.
وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم
عند الحاجة.
وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم.
وكان النظام محكماً لضبط تلك الكثر
ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى.
تعرض علينا الآية هذه الصورة التاريخية
والواقعية تعليماً لنا، وتربية على
الجندية المضبوطة المنظمة.
ولا
شك أن الخلفاء الأولين قد عملوا على ذلك
في تنظيم جيوشهم، إن مثل هذه الآية كان له
الأثر البليغ السريع في نفوس العرب لما
أسلموا. فسرعان ما تحولوا إلى جنود منظمة
مما لم يكن معروفاً عندهم في الجاهلية
وبقيت
الآية على الدهر مذكرة لنا بأن النظام
أساس كل مجتمع واجتماع، وأن القوة
والكثرة وحدهما لا تغنيان بدون نظام، وأن
النظام لا بد له من رجال أكفاء يقومون به
ويحملون الجموع عليه، وأولئك هم
الوازعون.
طبيعة
وشريعة:
في
عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان
نجد الطبيعة – بصنع الله – تستخلص
الأعلة من الأدنى، والأقوى من الأضعف،
فتجد الممتاز من أصل الخلق وبانتخاب
الطبيعة في هذه العوالم الثلاث، كما تجد
الذهب في المعدن وتجد الزهر والثمر في
النجم والشجر، وتجد الملكة من النمل
والنحل مثلاً.
فالإنسان
لم يخرج عن هذا القانون الطبيعي. ففيه
الممتازون الذين يحتاج إليهم النوع
الإنساني في صلاح حاله ومآله.
ومنهم
الذين يتولون حكمه وتنظيمه في أممه
ومجتمعاته وجماعاته؛ فالهيئة الحاكمة
والأفراد المنظمون والقادة المسيرون من
ضروريات المجتمع الإنساني ومقررات الشرع
الإسلامي، ومثل ما في هذه الآية من أمر
الوازعين. ولما ولي الحسن البصري القضاء
قال: لا بد للسلطان من وزعة أي أعوان
يكفون الناس عن الشر والفساد، ويتولون
تربيتهم وتنظيمهم. وفي رواية: لا بد للناس
من وازع – أي كاف – يكف بعضهم عن بعض، وهو
الحاكم وأعوانه.
وفي
حديث ذكره أهل الغريب: من يزع السلطان
وعقابه الدنيوي أكثر ممن يكفهم عن الشر
الوعد والوعيد في القرآن {وأنزلنا معهم
الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع
للناس}.
الآية
الرابعة: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى
وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ
يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا
مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا
يَشْعُرُونَ} (النمل: 18).
(أتوا
على وادي النمل)
هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام
أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه
فلم يعين، وأضيف للنمل لكثرته فيه. (نملة)
لفظها مؤنث، ومعناها محتمل مثل شاة
وحمامة. (مساكنكم) هي قرى النمل التي
يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع
والتركيب والتقسيم. ولذلك قيل فيها:
مساكن، ولم يقل غيران.
(لا
يحطمنكم)
لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام. (لا
يشعرون) لا يحسون بوجودكم. الإتيان بـ"إذا
وجوابها، لإفادة أن قولها كان بسبب
إتيانهم عند أول ما أتوا.
(لا
يحطمنكم)
نهتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم
حتى ينهوا عنه، وإنما المعنى: لا تكونوا
خارج مساكنكم فيحطمكم، فنهتهم عن السبب
والمراد النهي عن السبب، لما في ذلك من
الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة
النجاة، ولما في ذكر المسبب – وهو الحكم
– من التخويف الحامل على الإسراع إلى
الدخول.
والجملة
مؤكدة للأولى كأنها قالت: ادخلوا مساكنكم
لا تبقوا خارجها، ونظير التركيب في
التعبير المسبب عن المسبب: لا أرينك
ههنا؛ أي لا تكن هنا فأراك.
المعنى:
سار
سليمان – عليه السلام – في تلك الجنود
العظيمة يحيط به الإنس والجن وتظللهم
الطير، حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم
كبيرة النمل وقائدته، فصاحت في نبي
جنسها، فنادتهم للتنبيه، وأرشدهم إلى
طريق النجاة: بأمرهم الدخول في مساكنهم،
وحذرتهم من الهلاك بحطم سليمان وجنوده
لهم (عدم) شعورهم منهم، فلا يكون اللوم
عليهم، وإنما اللوم على النمل إذ لم يسرع
بالدخول.
عبرة
وتعليم:
عاطفة
الجنسية غريزة طبيعية:
فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو
بمفردها. ولم ينسها هول ما رأت من عظمة
ذلك الجند إنذار بني جنسها، إذ كانت تدرك
بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم، ولا نجاة
لها إذا لم تنج معهم، فأنذرتهم في أشد
ساعات الخطر ابلغ الإنذار. ولم ينسها
الخوف على نفسها وعلى بني جنسها من الخطر
الداهم، أن تذكر عذر سليمان وجنده.
فهذا
يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه،
ولا نجاة لهم إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم
فيه إلا إذا شعر بأنه جزء منهم. ومظهر هذا
الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على
نفسه، وألا يكون اهتمامه بها دون اهتمامه
بهم.
واجب
القائد والزعيم:
هذه
النملة هي كبيرة النمل، فقد كان عندها من
قوة الاحساس ما أدركت به الخطر قبل
غيرها، فبادرت بالإنذار. فلا يصلح لقيادة
الأمة وزعامتها إلا من كان عنده من بعد
النظر، وصدق الحدس، صائب الفراسة، وقوة
الإدراك للأمور قبل وقوعها، ما يمتاز به
عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما
يتوقع.
عظة
بالغة:
هذه
نملة وفت لقومها، وأدت نحوهم واجبها!!
فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو
قومه؟!
هذه
عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه، ولا
يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهما
لقومه، فيسكت ويتعامى، ولمن يقود الخطر
إليهم ويصبه بيده عليهم. آه ما أحوجنا –
معشر المسلمين – إلى أمثال هذه النملة!
الآية
الخامسة: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ
قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي
أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي
عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: 19).
(التبسم)
انفراج الشفتين على الأسنان، وقد يكون
للسخرية، وقد يكون للضحك، وهو الأكثر،
وهو بدايته؛ ولهذا قيد بـ"ضاحكاً".
(أوزعني
أن أشكر)
ألهمني شكر نعمتك. وتحقيقه في اللغة
والتصريف، أنك تقول وزعت الشيء، أي كففته
وأوزعني الله الشيء، أي جعلني أزع ذلك
الشيء أي أكفه. كما يقول ركبت الفرس
وأركبني زيد الفرس، أي جعلني أركبه،
فأوزعني شكر نعمتك: أي اجعلني أزع أي أكف
شكر نعمتك، أي أمنعه من أن يذهب عني
وينفلت مني، فالمقصود: اجعلني ملازماً
لشكرك فلا أنفك لك شاكراً.
(نعمتك)
عام يشمل كل نعمة لله عليه وعلة والديه.
(وأن
أعمل)
معطوف على (أن أشكر) فيقدر مثل تقديره.
(ترضاه)
وصف مؤكد وقد يكون للتقييد على ما سيأتي،
لأن العمل الصالح يرضى عنه الله، وإنما
ذكر الوصف، ليفيد أن رضى الله مقصود
بالعمل الصالح.
(أدخلني
برحمتك في عبادك الصالحين)
اجعلني معهم. أكمل الصالحين الأنبياء
والمرسلون صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
وتحقيقه:
أن الصالحين بما امتازوا به من كمال
صاروا كأنهم في حمى خاص بهم، لا يدخل
عليهم فيه إلا من كان مثلهم، فلهم مقامهم
في الرفيق الأعلى، ولهم منازلهم في
الجنة، ولهم ذكرهم الطيب عند الله وعند
العباد. وهذه المنازل والمقامات لا
يدخلها العبد إلا برحمة من الله بتيسير
لأسبابها، وتفضل عظيم.
المعنى:
لما
سمع سليمان – عليه الصلاة والسلام –
كلام النملة تَبَسّمَ تَبَسُّمَ السرور
والتعجب من قولها، وطلب من ربه – تعالى –
أن يلهمه شكر ما أنعم به عليه وعلى
والديه، وأن يلهمه عملاً صالحاً ينال به
رضاه، وطلب منه تعالى أن يجعله في
الصالحين، بأن يثبت اسمه بينهم، ويقرن
ذكره بذكرهم، ويلحقه بهم، ويسكنه الجنة
معهم، بما يغمره به من رحمته وفضله
وإحسانه.
توجيه:
وصدور
ذلك الإنذار البليغ من مثل تلك النملة في
ضعفها وصغرها طريف مستظرف، ككل شيء يصدر
من حيث لا ينتظر صدوره منه، فهذا مبعث
تعجب سليمان عليه السلام. وشهادة النملة
له ولجنوده بأنهم لو وطئوا النمل لوطئوه
عن غير شعور، فهم لرحمتهم وشفقتهم
وارتباطهم بزمام التقوى وأخذهم بالعدل
لا يتعمدون التعدي على أضعف المخلوقات
العجماء. هذه الشهادة أدخلت السرور على
سليمان عليه السلام لما دلت عليه من ثبوت
هذا الوصف العظيم له ولجنده، وظهوره منهم
واشتهارهم به. كما بعث سروره شعوره بما
آتاه الله من الملك العظيم والعلم الذي
لم يؤته غيره، حتى فهم ما همست به النملة،
وهي من الحكل الذي ليس له صوت يستبان في
حال من الأحوال.
أدب
من سرّته النعمة:
نعم
الله على العبد تدخل عليه السرور بجبلة
الفطرة، والفرح بنعمة الله من الاعتراف
بفضله والإكبار لنواله. ومن أدب العبد –
حينئذ – أن يسأل الله التوفيق لشكر تلك
النعمة بصرفها في الطاعة والتوفيق
بشكرها، بما يقوم به من أعمال صالحة في
رضى الله، كما فعل سليمان عليه السلام.
إذا أنعم الله على الأبوين بنعمة الإيمان
والصلاح، فهي نعمة على ولدهما إذا
اتبعهما، وتكون تلك النعمة من الله
عليهما سيما في حسن تربيتهما له وتوجيهه
في الوجهة الصالحة.
كما
أن نعمة الله على الولد هي نعة على والديه
فهو من أثرهما، ومثل حسناته في كيزانهما،
لأنهما أصل ذلك وسببه، ويدعو له الناس،
فيدعون لهما ويدعو هو لهما، وقد يؤذن له
فيشفع لهما. فالنعمة على الوالد هي نعمة
مزدوجة بينهما، ولهذا ذكر سليمان عليه
السلام نعمة الله على والديه مع نعمته
عليه.
الغاية
المطلوبة:
إن
شعور العبد برضى الله عنه، هو أعظم لذة
تعجز عن تصويرها الألسن. وإحلال الرضوان
على أهل الجنة أكبر من كل ما في الجنة من
نعيم؛ فالغاية التي يسعى إليها الساعون
ويعمل لها العاملون هي رضى الله. فالعمل
الصالح ترتضيه العقول، وتستعذبه الفطر،
ولكنه لا يفيد صاحبه إذا لم يبغ به مرضاة
الله، ولهذا قال سليمان – عليه السلام - (ترضاه).
جمع
وتحقيق:
قال
الله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم
تعملون}
(النحل: 32) فأفاد أن الأعمال سبب في دخول
الجنة. وفي هذه الآية: {وأدخلني برحمتك}
فأفاد أن الدخول بالرحمة ولا منافاة ما
بينهما. فالأعمال سبب شرعي لدخول الجنة،
والهداية إليه والتوفيق فيه وقبوله هو
رحمة من الله جزاء؛ لأنه لا ينتفع به؛ إذ
هو الغني عن خلقه، وإنما تفضل فجعله سببا
في نيل ثوابه، ثم تفضل فجعل الجزاء
مضاعفاً إلى عشرة أضعاف كثيرة، إلى
الموفي للصابرين أجرهم بغير حساب.
دقيقة
روحية:
إن
الأرواح النورانية الطاهرة السامية لا
لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني
المادي المنحط، وإنما لذتها الحقيقية في
عالمها العالي الأقدس، وفي الرفيق
الأعلى الأطهر، وفي معاشرة أمثالها من
النفوس الطيبة الزكية، في ذلك القدس
الأسنى، فهي دائمة الشوق إليه،
والانجذاب نحوه.
ولذا
كان من دعوات الأنبياء – عليهم الصلاة
والسلام – الدخول في الصالحين واللحوق
بهم؛ مثل قول سليمان هنا، وقول إبراهيم: {رب
هب لي حكما وألحقني بالصالحين} (الشعراء:
83). وقول يوسف: {توفني مسلماً وألحقني
بالصالحين} (يوسف: 101).
وفقنا الله لشكر
ما مَنَّ به من سابق النعمة، وللقيام فيما
بقي من العمر بواجب الخدمة وختم لنا باللحاق
بعباده الصالحين آمين.
|