|
شاءت
الأقدار أن يبرز العدد الأول من جريدة
المنتقد و نار الحرب الريفية تشتعل
لظاها , ويستطير شررها,
وتشغل أنباؤها أسلاك البرق وأكياس
البريد, وتملأ صفحات
الجرائد والمجلات
بالشرق والغرب.
قد
عرف الناس تفاصيل أخبارهم و ما بقي لنا
إلا كلمة مختصرة مجملة
نشارك بها الكتاب.
أسبابها
: سبب هذا الحرب في ظاهرها
نزاع على الحدود, الأمير
بن عبد الكريم يرى أن فرنسا قد احتلت
شمال وادي ورغة, وهو خارج عن منطقتها,
ويرى ذلك الاحتلال مضر به سياسيا
واقتصاديا, وترى فرنسا
أنه داخل بمنطقتها,
وأنها إذا لم تحتله تخشى من هجوم
الأمير الريفي على منطقة
احتلالها, واحتلاله
واحتلال مدينة فارس ومبايعته سلطانا
على المغرب بتمامه .
فأصبح احتلال وادي ورغة
كاحتلال الرين, هذا لخشية هجوم الألمان
وذلك لخشية الهجوم
الريفي .
موقف
الدول إزاء هذا الحرب :
قد
وقفت إنجلترا وإيطاليا في الظاهر
موقف الحائد المتفرج,
منتظرة منتهى العراك غير أن المطلع على
السياسة الدولية والتناحر الاستعماري
لا يشك أن هاتين الدولتين لا تسمحان
لفرنسا بأن تزداد شيئا
تتقوى به في شمال
إفريقيا والبحر المتوسط و أما أسبانيا
فإنها لما يتقنت أن فرنسا
لا تطمع في الريف الذي
هو موضوع بمعاهدة دولية في منطقة نفوذ
أسبانيا, رضيت بالتعاون
ما عجزت عنه وحدها.
موقف
أحزاب الأمة الفرنسية إزاء الحرب : لقد
كانت
أحزاب اليمين –
وسياستها معروفة – معضدة لفكرة الحرب
من أولها ووقف الاشتراكيون في
أول الأمر وقفة
المعارضة حتى أقنعتهم الحكومة بأن
فرنسا مدافعة غير هاجمة وأنها لا
تنوي أخذ شيء من أرض
الريف وأنه من واجب شرفها أن تحمي
سلطان فاس ورعايته من سلطة
الريفيين وتأكدت
موافقتهم لما راجع م. بانلوفى من رحلته
إلى المغرب و أقنعهم بأن
الحرب وطنية ! وأن الحزب
الشيوعي فإنه أعلن بمعارضته من أول
الأمر ووالى الهجمات
على الحكومة وسرح
خطباؤه بأن الحرب استعمارية محظة
حركها الحزب المالي و الحزب
العسكري سرح بوجوب
الانجلاء عن أرض الاحتلال, و تجاوزت
المعارضة في البرلمان إلى
المظاهرات في الشوارع
ونشريات الأوراق في تشذيب الحرب
وتثبيط المقاتلين في فرنسا
والمستعمرات .
هذا
الحرب في نظر الناس : فاجأت هذه الحرب
الناس مفاجئة على منظر
غريب, فأن القوتين
المتقاتلتين فيها لا نسبة بينهما ولا
مناسبة فإن الريف أمة
قليلة ضعيفة و فرنسا أول
دولة حربية في العالم اليوم ثم مع ذلك
طالت مدة النظال, واحتاجت فرنسا إلى
استعمال الكبراء من قوادها والشيء
الكثير من عدتها والاستعانة
بجارتها كل هذا والحرب
إلى اليوم لم تظهر نتيجتها رأى قوم أن
أعداء فرنسا من البلثغيك
والألمان وجدو منفذا إلى مصادمتها و
معاكستها و يزيد قوم فيقول : إن بعض
أحبابها غير مخلصين لها,
مدفوعين بعامل المنافسة, ويد أصحاب
رؤوس الأموال منهم.
ثم
إن من الناس – حتى الفرنسيون أنفسهم –
من يستنكر الحرب في هذه الضروف التي
تواجه فيها فرنسا أزمة
مالية , و تحتاج فيها إلى اليد العاملة
من أبنائها.
ويقول
قوم : إنها مظهر من مظاهر العراك العنيف
القائم بين الشرق والغرب اليوم.
و
يرى قوم : أنها ما هي إلا حرب بين
الاستعمار والاستقلال, وأنه إذا
اعتراف
للأمير عبد الكريم
بالاستقلال نزع غيره من الشمال
الإفريقي منزعه, وفي ذلك خطر
كبير على الاستعمار
وهكذا تختلف الأنظار والأفكار,
والحقيقة يكشفها المستقبل ومصير
الأمير بيد الله .
ومهما
يكن من شيء فإننا نقول : إن الحرب حرب
شعواء, كانت فوق ما ضنت فرع بها النبع
بالنبع ولقي فيها بنو دارم آل مسمع .
ورأينا
: أن فرنسا اليوم تواجه أزمة مالية
شديدة و في حاجة إلى اليد العاملة من
أبنائها بل إن القوة
العسكرية لإرهاب عدوها القوى الحقيقي
الألماني , و تتساهل في
مفاوضة الأمير ابن عبد
الكريم الذي نعتبره زعيما ثائرا , و هو
في الحقيقة صاحب الحق
الشرعي في أرض الريف –
كما صرح بها م . بانولفى عند مروره
بمالقه – لما قال : " وإني أكرر القول
بأنه ينبغي لفرنسا وأسبانيا أن تتفق مع
عبد الكريم أنه صاحب السلطة
الشرعية بلا منازع "
وأن مسألة استيلاء عبد الكريم على
المغرب إذا اعترف باستقلاله،
والخوف من ثوران الشمال الإفريقي
فبعيدة عن الصواب , فإن الأمير أعقل من
أن يغار مثل
تلك المغارة العقيمة و رعايا فرنسا
أصدق لها واعرف بخيرهم أن يقابلوها
بالعدوان
1-
المنتقد – ع1 – 1925 م
|