صفحة البدايةالتعريف بالموقع هيئة التحرير  | البحثراسلنا

اجعل موقع ابن باديس صفحة الاستقبال لديك 

 

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

 

ابن باديس محرك الثورة الجزائرية

                             

   بقلم عبد المالك حداد

 

كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث اقتنص حالة الضعف التي مرّت بها الجزائر فاجتاحها عسكرياً في عام 1830 م، وأقام فيها حكومة استعمارية تحكم بقوة الحديد والنار، وعمل في الوقت ذاته على جعْل الجزائر قطعةً من فرنسا، فأصدر في 22 جويلية 1834 م أمراً عاماً بتحويل الجزائر من أرض محتلّة إلى ملكية فرنسية وذلك قبل أن يتمكن من احتلالها، ولما استثب له الأمر أصدر مرسومًا في 4 مارس 1848 م يعلن فيه الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وبذل في سبيل ذلك كل وسعه في عملية منظمة لمسخ وطمس هويّة هذا الشعب العربي المسلم، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعه، فتعددت الوسائل وكان الهدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية والسيطرة على الأوقاف الإسلامية وإقرار التجنيس وتوسيع الاستيطان، فأبحرت الجزائر في لجة معتمة من الضياع والتمزّق والإستلاب الاقتصادي والثقافي.

ولكن سنّة الله تعالى في الكون قد اقتضت أن يتسلّل نور الأمل من ظلمة اليأس، وأن يولد الرجاء من رحم القنوط، ففي مثل هذه الظلمة الحالكة يظهر دور العلماء والدعاة الصادقين، وتسطع مواقفهم المشهودة حينما تهتدي الأمة بأنوارهم، فتهوي نحوهم الأفئدة، وتتطلّع إليهم الأنظار، إذ وهب الله تعالى هذا البلد رجالاً صادقين من أهل الشريعة، حملوا أمانة العلم، وقاموا بما يُمليه عليهم دينهم وعلمهم في مثل هذه الظروف الصعبة المظلمة.

وكان الشيخ "عبد الحميد بن باديس" أحد أولئك الأبطال العاملين، الذين شمّروا عن ساعد الجد، وأدّوا دوراً نضاليّاً مشرّفاً في هذه المعركة، يختال به تاريخ الجزائر فخراً ما تعاقب الليل والنهار. وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله : "إننا نحن فتشنا في صحف التاريخ وفتشنا في الحالة الحاضرة، فوجدنا الأمة الجزائرية المسلمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا، ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها، بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمم الدنيا. ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها في عنصرها وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معيّن هو الوطن الجزائري..."(1).

  أهمية الحرية وحق الاستقلال

لقد كان ابن باديس مؤمنا بالوطن الجزائر فجعل الحرية نصب عينه لأنها عين الحياة لا يتم الوجود الإنساني إلا بها : "حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المعتدَى عليه في شيء من حريته، المعتدَى أسبابها وآفاقها، جعل للحرية أسبابها وآفاقها، ومن سنة الله الماضية أنه لا ينعم بواحدة منها إلا مَن تمسك بما لها من أسبابها، وتجنب وقاوم ما لها من آفات، وما أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وما أنزل عليهم من الكتب، وما شرَع لهم الشَّرع إلا ليعرّف بني آدم كيف يحيون أحرارا وكيف يأخذون بأسباب الحياة والحرية، وكيف يعالجون آفاقها، وكيف ينظمون تلك الحياة وتلك الحرية، حتى لا يعدون بعضهم على بعض، وحتى يستثمروا تلك الحياة وتلك الحرية، إلى أقصى حدود الاستثمار النافع المحمود المفضي بهم إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة "(2).

ويقول عن أهمية الحرية للإنسان بوصفها حقا شرعيا للإنسان وبدونها تنعدم وتزول إنسانيته : "قلّب صفحات التاريخ العالمي، وانظر في ذلك السجلّ الأمين هل تجد أمّة غُلبت على أمرها أو نُكبت بالاحتلال ورُزئت في الاستقلال ثم نالت حريتها منحة من الغاصب وتنازلاً من المستبد ومنةً من المستعبد... اللهم كلا! فما عهدنا الحرية تُعطى وإنّما عهدنا الحرية نُؤخذ، وما عهدنا الاستقلال يُمنح ويوهب إنما علمنا الاستقلال يُنال بالجهاد والاستماتة والتضحية، وما رأينا التاريخ يُسجِّل بين دفتي حوادثه خيبةً للمجاهد إنّما رأيناه يُسجِّل خيبةً للمستجدي"(3).

ويسير ابن باديس في هذا الخط مخاطبا الأمة عن الحرية والاستقلال، ذلك أن أمّة جاهلة بدينها، وتاريخها، ولغتها، وشخصيتها، وكيانها لا تقوى على أخذ الاستقلال أو التفكير فيه. وكان مما قاله ابن باديس يوقظ به الأمة إلى حقّها في الاستقلال فيقول : "إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا مع الذين يدعون علم الغيب مع اللَّه ويقولون إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أن تزداد تقلّباً... وتصبح الجزائر مستقلة استقلالاً واسعاً تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر"(4).

لأجل هذه الحقيقة، وقف ابن باديس مبينا نظرته وموقفه من الاستقلال لبعض زعماء الجزائر الرافضين لمشروع "بلوم-فيوليت"(5)، والمطالبين بالحصول الفوري على الاستقلال، أن مطلبهم لا يخصهم هم وحدهم فحسب، حتى ينفردوا به، وبالمطالبة بتحقيقه، ويغاروا عليه. وأن الحرية لا تعني حقا فرديا يمارسه الإنسان في حدود حاجاته ومطالبه الفردية، ولكنها تعني قبل كل شيء، حقا جماعيا يشمل كل مظاهر الحرية قائلا لهم : "ونحن نحترم رأي هذه الأقلية، ونؤمِّل بقاءها على رأيها، وهي تطالب بالاستقلال. وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال ؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال، الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم"(6).

ترسيخ فكرة الحرية والدعوة للاستقلال

لم يقف ابن باديس عند مرحلة التفكير والكتابة في الصحافة داعياً إلى الاستقلال بل تعدّى ذلك إلى مرحلة التفكير العملي. فبعد رجوعه من فرنسا حيث شارك في المؤتمر الإسلامي سنة 1936 م، استقبل من طرف عشرات الآلاف فخطب فيهم فقال : "أيها الشعب إنك - بعملك العظيم الشريف - برهنت على أنك شعب متعشق للحرية وهائم بها، تلك الحرية التي ما فرقت قلوبنا منذ كنا نحن الحاملين للوائها، وسنعرف في المستقبل كيف نعمل لها وكيف نحيا ونموت من أجلها". وفي هذا الجمع تابع كلامه في عشرات الألوف قائلا : "أيها الشعب لقد عملت وأنت في أول عملك هذا فأعمل وداوم على العمل، وحافظ على النظام وأعلم بأن عملك هذا - على جلالته - ما هو إلا خطوة ووثبة، وراءه خطوات ووثبات، وبعدها إما الحياة وإما الممات"(7). ليس أصرح في الدعوة للحرية مما جاء في هذه الخطبة فقوله إننا شعب متعشق للحرية وهائم بها وستعرف في المستقبل كيف نعمل لها ونحيا ونموت لأجلها صريح في العزم على عمل يسترد به الشعب حريته المغتصبة.

ويمضى ابن باديس في توجيه قادة الجزائر وشبابها نحو المخرج الحقيقي : "لا تتغير السياسة الاستعمارية بالجزائر، عن طريق وفود تذهب إلى فرنسا، ولا بلجان تبعتها الحكومة العليا – حكومة باريس – إلى الجزائر. ذلك أن حكومة الجزائر الاستعمارية أقوى من حكومة فرنسا ذاتها هنا.. فلا تغيير لوضع تريد بقاءه في الجزائر. فالوفود إذن لا تستطيع أن تغير شيئًا، ومتى نفض الشعب عن نفسه غبار الجهل والغفلة، وأدرك وجوب تسيير شؤونه بنفسه، وأخذ يضع كل شيء موضعه، لم يجد أين يضع الاستعمار إلا حيث توضع الأطمار البالية"(8). ولذلك – وكأمر استراتيجي – عمد الإمام ابن باديس لجعل كل اهتمامه منصبًا ومحصورًا في العناية بالتعليم حتى يحدث التغيير المنشود، فبه يتغير الفرد الجزائري ويبدأ يحس بحريته وكرامته، وبجدارته في أخذ قسطه من الحياة الحرة الكريمة، ومع مرور الزمن يتمكن ابن باديس بفضل حركته الإصلاحية من تحقيق شرطي التغيير النفسي والاجتماعي للمجتمع الجزائري، مما يؤهله لأن يخوض معركة ينتزع بها حريته واستقلاله الكاملين.

ولإحداث التغيير حرص ابن باديس على ترسيخ فكرة الاستقلال بالعلم والمعرفة، نفخا رماد الحرية، مردّدًا مقولته المعبرة عن استيائه من أن يرى الاستعماريين وهم يحتفلون كل عام بعيد حريتهم الموافق لـ 14 جوان (عيد الثورة الفرنسية) لا في فرنسا وحدها، وإنما في كل وطن تستعمره فرنسا. في حين كان وطنه ومواطنوه محرومين من هذه الحرية، فكانت مقولته الرائعة : "أيها الإخوان الفرنسيون المحتفلون بالحرية... إن الأمة الجزائرية تحتفل معكم وتشارككم في الاحتفال بالحرية في أيام السلم، كما شاركتكم في الدفاع عن الحرية على ضفاف (المارن) وتحت حصون (فردان). ها هي تسألكم  باسم الحرية، أن تعملوا لتنال حظها من الحرية، خصوصا وقبل كل شيء، حرية تعلمها لدينها ولغة دينها ! فهل نحتفل بهذا اليوم في المستقبل ونحن أحرار، على الأقل في تعلم ديننا ولغة ديننا !؟ قد يكون هذا إذا فازت الحرية وانتصر الأحرار، فلتفز الحرية.. ولينتصر الأحرار"(9). ويعود الإمام إلى التذكير بما وقف عنده من قبل، من حقوق الشعب الجزائري في الحرية، هذه الحرية التي ظل قلبه يفيض هياما بها وشوقا إليها : "آه ، آه أيتها الحرية المحبوبة ، وأشوقاه  إليك بل  وأشوقاه إليهم ، المحيا محياهم، والممات مماتهم ، أنقذ اللهم  بهم  عبادك وأحي بلادك، وألحقنا ـ اللهم بهم ـ غير مبدلين ولا مغيرين آمين"(10) فكانت كلماته نداءا صريحا للحرية، ودعوة لتحقيق الاستقلال ولو اقتضت الظروف بالاحتكام للسلاح.

كثيرة هي الدلائل على فكرة الحرية والدعوة للاستقلال عند ابن باديس ومنها أحاديثه لتلاميذه حيث يروي الشيخ محمّد الصالح رمضان – وما أكده الشيخ محمد خير الدين ولمصالي الحاج – أن نفرا من الشباب المتحمسين التف حول الشيخ ابن باديس في نادي الترقي ذات يوم من عام 1933 م، وقالوا له أنت شخصية كبيرة، لماذا لا تدعو للاستقلال وأنت مسموع الكلمة ؟ وطلبوا منه أن يرفع صوته ثويًا مدويًا عاليًا، مطالبا باستقلال الجزائر وحريتها، فقال لهم : "يا أبنائي من أراد أن يبني منزلاً هل يبدأ بالسقف؟ قالوا: لا، قال: فبماذا إذن؟ قالوا : بالأساس والجدران. فقال: هذا ما أفعله، الآن نبني الأساس والجدران ثم نبني السقف"(11).

مثال التضحية في سبيل الوطن

بتفكير سليم ومبدأ الالتزام بمنهجية العمل والإجراءات المرحلية لتحقيق الهدف، يضرب ابن باديس أرفع مثال في التضحية بالنفس والروح في سبيل هذه الأمة، حيث يذكر إبراهيم الكتاني، أنه بمناسبة افتتاح دار الحديث بتلمسان في خريف 1937 م، رافق ابن باديس الوفد إلى مكان تواجد أطلال مسجد المنصورة، أين حرر نداء يدعو فيه الأمة الجزائرية للصيام وملازمة المساجد على خلفية ذكرى مرور مائة سنة على احتلال قسنطينة، ولما قرأه على الوفد، جعل أحد تلاميذه يثبط عزيمته، ويحذره مغبة نشره، فغضب الإمام وقال : "يا أبنائي ! إنكم تعلمون أني لم أطلب أي شيء لنفسي، ولكني اليوم أطلب لنفسي شيئا واحدًا، هو أن تسمحوا لي أن أكون أول ضحية في سبيل الجزائر، عندما يحين الوقت للتضحية في سبيلها"(12).

ثم التفت إلى الأستاذ إبراهيم الكتاني، قائلا له : "هنيئًا لكم أنكم تجدون في المغرب السبيل للتضحية في سبيل بلادكم، أما نحن في الجزائر، فإننا نتحرق على التضحية في سبيلها، ولا نجد للتضحية سبيلا"(13).   

بهذه العبارات الصريحة عن التضحية، أفصح ابن باديس عن هدفه الاستراتيجي البعيد، وإلى أن يحين وقت تحقيقه يقف وقفة القائد العسكري الذي خاض معركته وانتهى منها، وأخذ في إعادة استخلاص الدروس المستفادة من الصراع مع سلطة الاحتلال، استعدادا للمرحلة الجديدة، وينتهي – ابن باديس – من إعادة تقويم الموقف ليقول : "... أما اليوم فقد تأسست في الوطن كله جمعيات ومدارس ونواد باسم الشباب والشبيبة والشبان، ولا تجد شابًَا – إلا نادرًا – إلا وهو منخرط في مؤسسة من تلك المؤسسات وشعار الجميع الإسلام، العروبة، الجزائر.. لقد نفضت الأمة عن رأسها اليوم غبار الذل. وأخذت تنازل وتناضل وتدافع وتعارض، وشعرت بوحدتها، فأخذت تطرح تلك الفوارق الباطلة وتتحلى بحلل الأخوة الحقة، وتنضوي أفواجًا تحت راية الإسلام والعروبة والجزائر. لقد شعرت الأمة بذاتها اليوم، وعرفت هذه القطعة من الأرض، التي خلقها الله منها، ومنحها لها، وأنها هي ربتها، وصاحبة الحق الشرعي والطبيعي فيها، سواء اعترف لها به من اعترف، أم جحده من جحد. وأصبحت كلمة الوطن، إذا رنت في الآذان، حركت أوتار القلوب، وهزت النفوس هزا".(14)

لقد تأكد ابن باديس من أن الجزائر الوطن أصبح راسخا في قلوب الأمة وأن النفوس باتت مستعدة لتقبل ما يجوب في فكره ولابد من المضي قدوما لتحقيق هدفه. 

التلميح والرمز بالثورة

عمل الإمام ابن باديس على إنضاج هدفه الاستراتيجي في هدوء وصمت، وحتى تكتمل الأسباب وتتحقق الشروط مع الزمن، عمد إلى التلميح والرمز، وذلك مما برع فيه ودرب على فهمه طلابه، وكثير ما كان ينشد :

وَلقد لَحَنْتُ لَكم لكيمًا تَفْهَمُوا              وَاللّحنُ يَفْهَمه ذَوو الألْبابِ(15)

ليس هناك من مشروع نهضة، أو إصلاح، أو تجديد، أو كيفما كان، يمكن أن يرى النّور إذا لم تكن وراءه همّةُ الشّباب، وطموح الفتيان الأشدّاء. من أجل ذلك نُلفي ابن باديس يجعل من الشّباب الأداةَ التي يمكن أن تنجز ما كان يريد من أفكار. على حين تعيش الأمة على وقع الظروف العسيرة والأنفاس المحسوبة والبطش الشديد المسلط من سلطات الاحتلال، ولمجابهة تكاليفِ الحياة ومَعَاسرِها يقتضي التّحلّي بالشّجاعة بكلّ معانيها وأضربها وذلك ترسيخاً للفكرة، وإصراراً عليها، فألف لحنا يخاطب فيه الشباب الجزائري :

شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـمٌ     وَإلىَ  الـعُـروبةِ  يَـنتَـسِـبْ

مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ     أَوْ قَــالَ مَـاتَ  فَقَدْ  كَـذبْ

أَوْ رَامَ  إدمَــاجًــا لَــهُ    رَامَ الـمُحَـال  من  الطَّـلَـبْ

يَانَشءُ أَنْـتَ  رَجَــاؤُنَــا    وَبِـكَ الصَّبـاحُ  قَـدِ اقْـتَربْ

خُـذْ لِلحَـيـاةِ  سِلاَحَـهـا     وَخُـضِ الخْـطُـوبَ  وَلاَ  تَهبْ

وَاْرفعْ مَـنـارَ الْـعَـدْلِ وَالإ     حْـسـانِ وَاصْـدُمْ مَـن غَصَبْ

وَاقلَعْ جُـذورَ الخَـــائـنينَ     فَـمـنْـهُـم كُلُّ الْـعَـطَـبْ

وَأَذِقْ  نفُوسَ  الظَّــالـمِـينَ     سُـمًّـا  يُـمْـزَج  بالـرَّهَـبْ

وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ     فَرُبَّـمَـا  حَـيّ  الْـخَـشَـبْ

مَنْ كَــان  يَبْغـي  وَدَّنَــا     فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ

أوْ كَـــانَ يَبْغـي  ذُلَّـنـَا     فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ

هَـذَا نِـظـامُ حَـيَـاتِـنَـا     بالـنُّـورِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ

حتَّى  يَعودَ لـقَــومــنَـا     من مَجِــدِهم مَــا قَدْ  ذَهَبْ

هَــذا لكُمْ عَـهْــدِي بِـهِ     حَتَّى  أوَسَّــدَ  في   الـتُّـرَبْ

فَــإذَا هَلَكْتُ فَصَيْـحـتـي     تَحيـَا الجَـزائـرُ  وَ الْـعـرَبْ(16)

ولْنلاحظْ أنّ ابن باديس يصطنع اللّغة الانزياحيّة في شعره فيرمي إلى بعيد دون أن يجلب على نفسه المتاعب والهموم من السّلطات الاستعماريّة. وأيّ شيءٍ هذا "الصّباح" المشرق الجميل الذي اقترب ظهوره، وآن أوانه، إن لم يكن نيلَ الشّعب الجزائريّ الحرّيّةَ والاستقلال؟.. ومن أمعن النظر ودقق البحث في فحوى اللحن وجد في الكثير منه ما فيه تصريح واضح بالحث على الثورة أو الاستعداد لها، أو العزم على إيقاد نيرانها، وقد دل على روح جديدة في تغيير الأسلوب المنهجي المتبع منذ العشرينيات كما أن معاصري الإمام من رواد جمعية العلماء وتلاميذه أشاروا في أكثر من مرة أنهم تذاكروا مع ابن باديس كيف يمكن خلاص الجزائر من قبضة الاستعمار، فكار يشير إلى الجبال قائلا  "هناك سيكون الخلاص"(17).

وقد رُوي عن الشيخ أكثر من حديث أبدى فيه عزمه على الثورة، فقد حدث أن وقف يوما من أيام 1938 م على منصة نادي الترقي، وارتجل خطابا جاء فيه: "الساعة قد دقت وآن وقت العمل، وبعد العمل الموت، وأخيرا استعدوا ليوم عظيم"(18).

كما أكد الشيخ محمد الحاج بجة أحد تلاميذه الأقدمين - من دائرة آقبو كان تلميذه في أوائل الثلاثينات -، أن الشيخ ابن باديس كان يسأل تلاميذه الكبار : هل أديتم الخدمة العسكرية ؟ ومن أجاب بنعم ميزهم عن الآخرين وصرح لهم أننا سنحتاجكم يوما ما، وحثهم على عدم نسيان ما دربوا عليه من أعمال الحرب، ولعل هذه الشهادة تفسر شدة اتصاله رحمه الله بتلميذه الشيخ الفضيل الورتلاني، فقد كان من الذين أدوا الخدمة العسكرية قبل أن يتصل به فكان يقربه جدا، ويستصحبه معه في بعض رحلاته ويركن إليه في تربية صغار تلاميذه على الثورة، وقد عاش هذا الرجل ثائرا وصار يخشى جانبه الملوك والأمراء في الشرق العربي، وله أثر كبير في الثورة اليمنية ضد نظام الملك يحيى، حتى جاءت الثورة الجزائرية فعمل في صفوفها ومات - وهو يمثلها - بتركيا(19).

التهديد بالثورة

بات القلق يسيطر على بال السياسة الفرنسية من اهتزاز الشمال الإفريقي واضطرابه وتذمره واحتجاجه بالخصوص الجزائر، مما أدى بابن باديس أن يكشف الداء الذي كادت كلمة القوم تتفق على أنه الضغط والإرهاق واستعمال القوة والشدة، ووصف العلاج بقوله : "نقول – بالصدق والصراحة اللذين تعرفهما منا الدوائر الحكومية أنه علاج يسكن الشعب شيئا ما، ولكنه يزرع في القلوب بغضا وحقدا ويملأ الصدور ثورة وحماسا، وما مآل ذلك بطبيعة الامتلاء وطول الزمان – إلا الانفجار، ولا يدري إلا الله على من تكون عواقب ذلك الانفجار"(20)، وواضح من خلال ما في هذه الوصفة من ملامح التعريض بالعدو، التهديد بإعلان الثورة ضده غير أن هذا العزم على امتطاء صهوة الجهاد لم يثن ابن باديس في الوقت ذاته من الاستمرار في طرقه أبواب السلم عسى أن يلقى ذلك آذانا صاغية لدى المحتلين فيستجيبوا لنداءات المظلومين قبل أن يفوت الأوان، وتحين ساعة الخطر، وينفجر صبر الأمة، فيجب لجنة برلمانية فرنسية في جلسة رسمية سألت فيها رجال جمعية العلماء عن الإصلاح المنشود في الجزائر : "إنني أحقق لكم - قبل كل شيء - أمرين، هما :

1-  إن كل محاولة لحمل الجزائريين على ترك جنسيتهم أو لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم هي محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة...

2-  إن الحالة التعيسة التي بلغت إليها الأمة الجزائرية - وقد اطلعتم عليها أنتم أكثر من غيركم - لا يمكن أبـدا أن يستمر صبر الأمة الجزائرية عليها أكثر مما صبرت".

وعن سؤال لرئيس اللجنة فحواه : ماذا يقع لو أصدرت فرنسا أمرا يعطي المسلمين حقوقهم ويجردهم من قانون الأسرة، والأحوال الشخصية أجاب ابن باديس بقوله : "إذا ألزمت فرنسا المسلمين برفض شريعتهم والتخلي عن ذاتيتهم كأنهم يشعرون بالضربة القاضية عليهم بالعدم التام... وأنا أحقق لكم أنكم إذا ألزمتم الأمة الجزائرية المسلمة برفض شريعتها والتخلي عن ذاتيتها فإنكم تكونون قد وضعتم أمرا يؤول بالجزائر إلى اضطراب أعظم لا تدري عاقبته"(21).

لقد وجدت فرنسا في الإمام ابن باديس خصمًا أفسد عليها سياستها، ومهد لفشل مشروع الإصلاحات المنشود في الجزائر الذي كان يرمي إلى امتصاص سخط الجزائريين الذين غررت بهم، وقد كشف مقاله : "هل آن أوان اليأس من فرنسا"(22)، النقاب عن عبث جميع المحاولات التي قامت بها فرنسا، فعلق يكتب : "إن فرنسا تعد وتخلف، والجزائر تخدع وتطمع، وأما نحن فقد أخذ اليأس بتلابيب كثير منا، كلا والله لا تسلمنا المماطلة إلى الضجر، وإنما يدفعنا اليأس إلى المغامرة والتضحية، وكَذَب رأي السياسة وساءَ فألها"(23). وهذه العبارة الأخيرة تدل على أن الإمام ابن باديس لم يستبعد قط من معجمه في التحرك السياسي – المغامرة والتضحية – إنما الأمور مرهونة بأوقاتها.

إلا أن موقف بعض كبار رجال الأحزاب السياسية الذين جندوا – إجباريا أو تطوعا– في صفوف الجيش الفرنسي لما لاحت نذر الحرب العالمية الثانية، جعل ابن باديس يشعر بالأسى والألم من هذا الضعف فيهم، وقد صرح لبعض تلاميذه في إحدى أمسيات خريف 1939 م بما فحواه :"لو استشاروني واستمعوا إلي وعملوا بقولي لأشرت عليهم بصعودنا جميعا إلى جبال الأوراس وإعلان الثورة المسلحة"(24) وقال في مناسبة أخرى "والله لو وجدت عشرة من عقلاء الأمة الجزائريين وافقوني على إعلان الثورة لأعلنتها"(25). ولم ينتظر الإمام وجود هؤلاء العشرة بل باشر العمل وهو يُؤثِر توقي المغامرة والتضحية، في غير وقتها، إلا أن يُضطَر إلى ذلك، ويدفع إليها دفعًا مع من حوله ممن يوافقونه على الفكرة، ومما رواه تلاميذه في هذا الموضوع ما أكده الشيخ محمد الصالح رمضان، أن الشيخ ابن باديس كان منذ 1937 م يصرح بعزمه على الثورة المسلحة، وفي بعض هذه التصريحات أنه يخشى أن يدفع الأمة إليها قبل كمال استعداد، لهذا يتجنب أن يتحمل مسؤولية الرئاسة السياسية المباشرة لبعض الأحزاب(26).

الإعداد للثورة

يدخل الإمام ابن باديس في أعقاب هذه المستجدات مرحلة جديدة من نضاله السياسي، استهدف من خلالها الرفع من القدرات الجهادية لأمته، داعيا إياها إلى الاعتماد في ذلك بالدرجة الأولى على العناية الإلهية، ثم على إمكاناتها الذاتية وعلى جهود المخلصين من أبنائها، فكان لا بد من تجميع قوى الأمة، وتوفير الشروط الضرورية النفسية والاجتماعية والعَدَدية والعُدَدية والزمانية، للدخول في المواجهة المسلحة الشاملة المنهجية، وجها لوجه ضد الاستعمار الفرنسي، ولذلك بدء بتعبئة الأمة بدعوتها للعمل الإعدادي للثورة وتبني سياسة المقاومة : "قد فهمنا – والله – ما يراد بنا وإننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية أننا عقدنا على المقاومة المشروعة عزمنا، وسنمضي – بعون الله – في تعليم ديننا ولغتنا رغم كل ما يصيبنا، ولن يصدنا عن ذلك شيء، فنكون قد شاركنا في قتلهما بأيدينا. وإننا على يقين من أن العاقبة – وإن طال البلاء – لنا وأن النصر سيكون حليفنا..."(27).

وبيقين النصر يمضي الإمام ابن باديس يحذر الأمة من مغبة تتبع سياسة المطالبة والانتظار تجاه دولة تخلف وعودها، ناصحا الشعب بضرورة أخذ العبرة مما انتهت إليه مساعيه المختلفة، حريصا على توحيد صفه، عاملا بتبصر وتثبت على إفشال ما تبثه السلطة من مكائد المكر والخديعة ضد شخصيته، رافضا المساومة عليه بأعراض الدنيا كلها، فيقول : "أيها الشعب الجزائري، أيها الشعب المسلم، أيها الشعب العربي الأبي ! حذار من الذين ينمونك ويخدعونك، حذار من الذين يأتونك بوحي من غير نفسك وضميرك، ومن غير تاريخك وقوميتك، ومن غير دينك وملتك، وأبطال دينك وملتك... استوح الإسلام، ثم استوح تاريخك، ثم استوح قلبك، اعتمد على نفسك وسلام الله عليك"(28).

ولكي يستطيع الشعب الاعتماد على نفسه لا بد من توفر شرط الوحدة لتكون كلمته واحد في وجه الاحتلال، فوجه الإمام ابن باديس نداءا إلى الشعب الجزائري ودعاه للاتحاد : "فلنوحد الصفوف، ونجمع الأمة على كلمة واحدة، فتصبح في منعة من بطش عدوها، ونٌكوِّن المجاهدين، فيصبحوا قادرين على الجهاد. ثم نتجه بعد ذلك إلى تحقيق الاستقلال"(29). ويشدد على الاتحاد مع ضرورة الاحتجاج على الأوضاع السائدة بقوله : "أيها الشعب الكريم.. كن متحدا، فبالاتحاد فقط تبلغ غايتك الشريفة الإنسانية، كن مستيقضا منظما، لتبرهن على أنك شعب لا يريد إلا العيش والحرية والسلام ارفع عقيرتك بالاحتجاج ضد جميع الذين يستعملون العنف والقسوة، والأساليب الشيطانية الخفية، ليحدثوا الفتنة والشغب. ناد من قلبك، لتحيا الجزائر! ليسقط الظلم والاستعباد ليسقط أعداء الأجناس وحرية الأديان والأفكار"(30).

الواجب لتحقيق الثورة

تظهر حنكة الإمام ابن باديس، وفطاتنه بضرورة الاتحاد لتحقيق الهدف، وبروح وطنية عالية دعا الشعب والنواب المنتخبين إلى ضرورة الاعتماد على النفس والتوكل على الله وجاء في بيانه : "أيتها الأمة الكريمة، أيها النواب الكرام ! اليوم وقد يئسنا من غيرنا يجب أن نشق طريقنا بأنفسنا، اليوم وقد تجوهلت قيمتنا يجب أن نعرف نحن قيمتنا. اليوم وقد خرست الأفواه عن إجابة مطالبنا يجب أن نقول نحن كلمتنا. اليوم وقد اتحد ماضي الاستعمار وحاضره علينا، يجب أن تتحد صفوفنا... حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقَى نترامى على أبواب برلمان أمة ترى أكثريتها ذلك كثيرًا علينا... ويسمعنا كثير منها في شخصيتها الإسلامية ما يمس كرامتنا ويجرح أعز شيء لدينا. لندع الأمة الفرنسية ترى رأيها في برلمانها، ولنتمسك عن إيمان وأمل بشخصيتنا... تناسوا الحزازات، امحقوا الشخصيات، بَرْهنُوا للعالم أنكم أمةٌ تستحق الحياة..." ولكي يتحقق ذلك يعلن بعد ذلك للشعب : "أنه من الواجب ألا نعتمد إلا على أنفسنا ونتوكل على الله" ثم يقول متوعدا فرنسا بتلك الآية الكريمة "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(31)، بهذه الدعوة يقوي ابن باديس أمل مواطنيه ويحثهم بضرورة مقاطعة سلطات الاحتلال والتمسك بالإسلام والاعتماد على النفس كسلاح وحيد للحالة الراهنة وأنه لا سبيل لنهوض وفك القيد إلا بالتعاون أفردًا وجماعات بتكوين جبهة وطنية، تحمل لواء حركة المقاومة.

وقد ثار المستعمرون الفرنسيون على نداء ابن باديس فاتهمه بالعصيان المدني، فكتب يرد عليهم :"لم يسؤني ما علقتم به من عبارات الحقد والتحريش، لأن ذلك دليل حصول ما قصدته من تأثير الحق والصدق فيمن لم يتعودوا سماعه من المسلمين الجزائريين أمثالكم. ولا ألومكم على ذلك ما دمتم ترونه إخلاصًا لأمتكم ووطنكم، كما كنت أنا مخلصًا في منشوري لأمتي ووطني. وإنما أريد أن أحقق لكم أن تحرشكم لا يخيف صغارًا من تلامذتنا، فمن باب أحرى وأولى ألا يكون له أدنى تأثير في كبارنا في السير على خطتنا إلى غايتنا. ومما يؤسف له من أمثالكم أنكم لا تدركون تطورات الأمم وتقلبات الأيام.."(32).

لكن الشيخ ابن باديس لا يتعجل رحمة الله التي ستأتي، وقد زاد إيمانه باقتراب ساعة الخلاص من المحنة، فقال في اجتماع عام : "أما بعد فمرحبًا بأبناء الجزائر وأفلاذ أكبادها، مرحبًا بورثة مجدها الخالد وحماة مجدها الطارف وبناة مجدها الآتي الذي تتخبط به أحشاء الأيام"(33).

وتدل اللهجة الواثقة على أن شيئًا ما يتم إعداده من وراء ستار، وأن هناك خطة محكمة قد حددت في الخفاء، ولعلم ابن باديس بها تجنب أن يرد في كلامه شيء عن وجودها، ولا عن القائمين بإعدادها.

موعد الثورة

مع مرور الأيام يصدق حدس ابن باديس، وما التفاؤل الذي بعثه في النفوس إلا برهانا لالتهاب الشعور وعظمة الثقة بالله وبالنفس تمهيدا لثورة عاجلة، ومع أيامَ اشتعال الحرب اجتمع الأستاذ حمزة بوكوشة به لآخر مرة بنادي الترقي وكان حاضر الاجتماع تلميذه الشيخ محمد بن الصادق الملياني ليس غير، وبعدما تحادثا معه في مواضيع خاصة وعامة انتفض الشيخ ابن باديس وقال : "هل لكم أن تعاهدوني ؟" فقال له الشيخ محمد الملياني: "لا أستطيع قبل أن أعرف" ثم توجه إلى حمزة وقال: "وأنت؟" فقال : "إذا كان على شيء أنت فيه معي فإني أعاهدك"، قال : "طبعاً أنا لا أكلف غيري بما لا أكلف به نفسي". فمدد حمزة يديه وصافحه وقال : إني أعاهدك ولكن على ماذا ؟ قال : "إني سأعلن الثورة على فرنسا عندما تشهر عليها إيطاليا الحرب". وقد أكد الشيخ محمد بن الصادق جلولي هذه الرواية ودعمها(34).

ولما دخلت فرنسا الحرب امتنع ابن باديس عن إرسال برقية المساندة، قائلاً لأعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء : "إني لا أوافق على إرسال هذه البرقية أبدًا، ولو قطعوا رأسي، وأشار بيده إلى عنقه، لأن ذلك يعتبر قبولاً مني، بتجنيد أبناء هذه الأمة في الحرب" ويشرح للحاضرين، الذين وافق معظمهم على سبب امتناعه "وكيف أوافق وألوان الاضطهاد ما تزال تنصب على الأمة، وتنال من دينها ولغتها وقوميتها ! وأنا لا أنتظر إلا إحدى الحسنيين : فإما حياة السعادة، وإما الفوز بالشهادة"(35). ثم قال للشيخ العربي التبسي : "أما أنا لو قال لي فرنسا أن أقول لا إله إلا الله ما قلتها".. وهذا أقصر ما يمكن أن يعبر به رجل مثل ابن باديس في شدت تدينه، عن مقاطعته النهائية للإدارة الفرنسية، ويؤكد أنه لا أمل في الحصول على شيء من فرنسا بطريق المطالب والاتصالات(36).

منذ بداية 1940 م قيدت سلطات الاحتلال حرية تجول الشيخ عبد الحميد وأصبح لا يخرج من مدينة قسنطينة إلا بتصريح ولكنه لم يلتزم بذلك(37)، وصار يفلت من القيد سرا لمتابعة أعماله التحضيرية للثورة، وقد تحدث الأستاذ محمد الصالح بن عتيق مدير مدرسة الميلية أنه طرق عليه الباب ذات ليلة ففتحه وإذا به يجد الشيخ متنكرا، فدعاه إلى النزول فاعتذر، لأن الزيارة قصيرة لا تسمح له بطول الإقامة، وأنه حدثه عن الثورة المسلحة وعن مدى استعداد الشعب في جبال الميلية لها، قال فأجبته بأن رجال الميلية فيها وفي جبالها رجال (بارود) وله أن يعول عليهم إذا جد الجد، وأن الاستعداد النفسي للثورة كامل فيهم(38).

التنبؤ بالخلاص

لقد تنبأ ابن باديس بالثورة وتحرير الوطن من الاستدمار الفرنسي، وقد روى حارسه الشخصي العربي جلواط أن الشيخ ابن باديس كان يخاطبه رفقة عميروش أمقران ويتجاذب معهما أطراف الحديث بقوله إن فرنسا ستخرج منهزمة من الجزائر، وقد كان يدرك قرب موعد اندلاع الثورة بسنوات(39). وصدق إحساسه في نشيده الشهير "اشهدي يا سماء" حين قال :

اشِهِدي يَا سَمَـا وَاكْتُبَنْ يا  وُجـودْ     إنَّـنَـا للِحـمَـا سَنَكُونُ الجُـنُـودْ

فـنَـزيحْ البَـلاَ  وَنَفُـكُّ  الْقُيُـودْ     ونَنيلُ الـرِّضـا  مِنْ وَفَّـى بِالعْهُـودِ

ونُـذيقُ الـرَّدَى كُلَّ عـاتٍ  كَنُودْ     وَيَـرَى جـِيلُـنَا  خَـافـقَاتِ  البُنودْ

ويَـرَى نجْمُنَـا لِلْعُـلاَ  في صُعـودْ     هَكَـذَا هَـكَـذَا هَـكَـذا سَنَعُـودْ

فاشْهَدي يَا سَمَا واكتُبْن  يا  وُجـودْ     إنَّـنَـا للـعُـلاَ  إنَّـنَـا للخُـلُـودْ(40)

وفي هذا النشيد الثوري ما ليس في غيره من التصريح بالجنود يدافعون عن الحمى، ويرفعون خافقات البنود، ويزيحون البلاء النازل ويفكون القيود، ويذيقون الردى كل عاتٍِ كنود(41)، ولا ريب في أن الظروف السياسية التي أحاطت بالجزائر في تلك الآونة هي التي أملت على الإمام ابن باديس على نجاح ثورة الجزائر، وعن نفسه يقول : " أما نحن – ونحن أعرف بأنفسنا – فإننا نتيقن أن هذه الأمم الإسلامية العربية استيقظت من سباتها وهب للنهوض من كبوتها، وشعرت لكرامتها وأخذت تذكر ماضيها أيام حريتها واستقلالها، وهو غير بعيد في الماضي عنها، فانبعثت تعمل لفك قيودها ونيل حريتها وتبوء منزلتها اللائقة بها كسائر الأمم التي ليست هي – في قوميتها وتاريخها – دونها"(42).

ولعل من كرامات الإمام ابن باديس، أنه كان ينظر بنور الله كما ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام الترمذي – رحمه الله – عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "، إذ ألهمه الله تعالى إلى أن بين دوافع الثورة ويعد العدو بحقيقة ما يجوب في نفسية هذا الشعب السليب، فيواصل قوله : "هذا – لعمر الله – حقيقة نفسية هذه الشعوب، وهذا هو سبب ثورتها على الظلم وابائها من استمرار الحال على ما كان"(43). 

فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر

لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورت كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، فقد كانت آخر محاولة للإدارة الاستعمار هي زيارة والي عمالة قسنطينة للإمام في مرضه الذي توفي فيه، وكان في منزل والده، في هذه الزيارة عرض – الوالي – عليه أن يصرح بأنه نادم على زج جمعية العلماء في السياسة، وأنه لا يحمل حقدا لفرنسا !

هنا حاول الإمام القيام من فراش المرض، وقال في غضب : "أخرجوني من هنا، أو أخرجوه ! فقام الوالي وخرج يتعثر في أذيال الخيبة والهزيمة...

لقد كان هذا الموقف المشرف آخر موقف للإمام عبد الحميد الذي ختم به حياته المليئة بالأعمال الصالحة.. ولفظ الإمام أنفاسه في ذلك اليوم، فمات رحمه الله ولم تنل الإدارة الاستعمارية أدنى تنازل منه(44).

وهكذا انتقل ابن باديس في آخر حياته لمرحلة المقاومة السياسية التي كانت الواضعة للإسفين الأول في نعش الاستعمار(45)، ثم المقاومة بالقوة، ولكنه لم يدرك هذه الأخيرة التي غرس بذورها الأولى في نفوس وعقول وسلوك جيل مؤهل للقيام بها، وخوض غمارها، محققا هدفه الاستراتيجي الذي كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله من أجل إحياء هذا الشعب.

هذا هو ابن باديس الذي كان قلب الجزائر النابض، وروحها الوثابة وضميرها اليقظ، وفكرها المتبصر، ولسانها المبي، باعث حضارتها إلى الوجود، معلم الأجيال، وحامي الدين واللغة والوطن، فكان بذلك القائد الحقيقي والأب الروحي المحرك لثورة الفاتح نوفمبر 1954 م الخالدة، يصدق فيه قول الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة :

سلام على الأعلام ما طاب ذكرهم           وآثارهم في العــلم والعـلم   يخلد

لقد زرعوا زرعـا فأخـرج  شطأه           كأخصب محصول لمن هـب  يحصـد

وابقـوه للأجيال ذخـرا مباركـا          وزادا من الـذكـرى لمن يتــزود

وأقبل جيل بعـده غـرس ثـورة            عصامية يرجـو النمو و ينشـــد

  ويبني على أرض الجـزائـر أمـة                  مثاليـة في وعيـها ويشـيـد(46)

 الهوامش :

1-    الشهاب : ج1، م12، غرة محرم 1355 هـ/أبريل 1936 م، ص : 46.

2-    الشهاب :ج10، م11، غرة شوال 1354 هـ/جانفي 1937 م، ص : 546.

3-    الشهاب : ج‏5، م‏6، غرة ربيع الأول 1355/جوان 1936 م.

4-    الشهاب : ج3، م 12، غرة ربيع الأول 1355 هـ/جوان 1936 م، ص : 145.

5-    مشروع بلوم-فيوليت : هو مشروع فرنسي يجعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ويتم تمثيلها في البرلمان الفرنسي من خلال تمكين فئة قليلة من الجزائريين من الحقوق التي يتمتع بها الفرنسيون، وقد ظن البعض أن هذا المشروع قد يكون طريقًا للحصول على بعض حقوق الجزائر المهدرة.

6-    البصائر: س2، ع71، 189 ربيع الثاني 1356 هـ/18 جوان 1936 م، . أنظر آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4، ط1، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر 1985 م، ص: 118.

7-    الشهاب : ج6، م12، غرة جمادى الثانية 1355 هـ/سبتمبر 1936 م، ص : 272.

8-    بسام العسلي : عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ط2، دار النفائس، بيروت، لبنان، 1983 م، ص : 122.

9-    محمد الطاهر فضلاء ، عبد الحميد بن باديس وأوثان الاستعمار،  دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص:91-92.

10-البصائر، السنة الرابعة، ع 175، الجمعة 3 جمادى الثانية الموافق ليوم 21 جويلية 1939 م.

11-محمد الصالح رمضان : الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس (من آرائه ومواقفه)، دار البعث، 1983 م، ص: 49 وما بعدها.

12-محمد خير الدين : مذكرات الشيخ محمد خير الدين، ج1، مطبعة دحلب، الجزائر 1975 م، ص 407.

13-محمد خير الدين : مذكرات الشيخ محمد خير الدين، ج1، مطبعة دحلب، الجزائر 1975 م، ص 407.

14-بسام العسلي : عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثورة الجزائرية، ط2، دار النفائس، بيروت، لبنان، 1983 م، ص : 133- 134.

15-أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 101.

16-الهادي درواز : كتاب الأناشيد الوطنية، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر، ص : 29.

17-محمود قاسم : الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، دار المعارف بمصر، 1968، ص 74.

18-محمد الطاهر فضلاء ، قال الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس،  ص:6 (الغلاف الداخلي).

19-أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 98.

20-الشهاب، ج9-م 13، غرة رمضان 1356 هـ/نوفمبر 1937 م، ص : 403 – 406.

21-أنظر البصائر، السنة الأولى، 25/02/1356 هـ.

22-الشهاب، ج6، م13، غرة جمادى الثانية 1356 هـ/أوت 1937 م. أنظر آثار الإمام عبد الحميد بن باديس : هل آن أوان اليأس من فرنسا -، ج5، ط1، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر 1985 م، ص:337 وما بعدها.

23-الشهاب : ج6، م13، غرة جمادى الثانية 1356 هـ/أوت 1937 م.

24-أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 101.

25-جاءت هذه المقولة على لسان الإمام ابن باديس في اجتماع خاص بمبنى جمعية التربية والتعليم الإسلامي، بحضور الأستاذ علي مرحوم والأستاذ عبد الحفيظ جنان، أنظر شهادة لعلي مرحوم : الأصالة : س4، ع24، ص 111.

26-محمد الصالح رمضان، الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس (من آرائه ومواقفه)، دار البعث، 1983 م، ص: 49 وما بعدها.

27-أنظر من أثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4، ط1، دار البعث، قسنطينة ، الجزائر 1985 م، ص : 128.

28-محمد الطاهر فضلاء ، عبد الحميد بن باديس وأوثان الاستعمار،  دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص:61-62.

29-عمار طالبي : ابن باديس حياته وآثاره، ج1، ص : 89.

30-محمد الطاهر فضلاء ، عبد الحميد بن باديس وأوثان الاستعمار،  دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص:36.

31-الشهاب، ج7، م13، رجب 1356 هـ/سبتمبر 1937 م، ص : 325 وما بعدها.

32-الشهاب، ج7، م13، رجب 1356 هـ/سبتمبر 1937 م، ص : 340-341.

33-الشريعة، العدد الأول، يوم الاثنين 24 ربيع الأول 1352 هـ/17 جويلية 1933 م. أنظر آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج4، ط1، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية، الجزائر 1985 م، ص : 161.

34-حمزة بوكوشة : عبد الحميد بن باديس، مجلة حضارة الإسلام ، العدد 1، السنة الخامسة ، تموز 1964، ص 84-93.

35-من شهادة لعلي مرحوم : الأصالة : س4، ع24، ص 111.

36-محمد الميلي : ابن باديس وعروبة الجزائر، ط2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1973، ص : 70.

37-الشيخ لم يوضع تحت الإقامة الجبرية هذا ما أكده الأستاذ عبد الحق بن باديس شقيق الشيخ بن باديس يقول : " للعلم البعض كان يقول أن الإمام كان تحت الإقامة الجبرية، فهذا خطأ لأنه في ذلك الوقت كانت الأجواء مشحونة مع الحرب المندلعة وكان الواحد منا عندما يريد الخروج من بلدية لبلدية عليه أن يصدر تصريحا من الشرطة التابعة لسلطات الاحتلال وكان من المحال أن يطلب الإمام ذلك من سلطات الاحتلال في عديد المرات وزيادة على هذا كان صديقه وحبيبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي منفيا في أفلو (ولاية الأغواط حاليا)، كل هذه العوامل تؤثر على إرادة وعزيمة الفرد..." انظر حوار خاص لموقع الإمام بن باديس والشهاب، لعبد المالك حداد وعبد الحق عباس، بمسجد سيدي قموش – قسنطينة، جوان 2005 م.

38-أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 99-100.

39-انظر "أحد الحراس المقربين من رجل الإصلاح يسترجع الذاكرة "العلامة بن باديس كان دولة" لقاء خاص مع العربي جلواط، مؤانسة : يزيد/س يومية الفجر، عدد 1677، ص 19 الصادرة يوم الثلاثاء 19 ربيع الأول 1427 هـ/19 أفريل 2006 م. العربي جلواط واحد من حراس العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس الثلاثة الذين رافقوه لأزيد من 20 سنة، وكانوا يوفرون له الحماية ليلة كل يوم من مقر لقاءاته مع تلاميذه بفندق بشاغا محمد أمزيان بالرحبة حاليا صوب مسكنه بالقصبة بمحاذاة المحكمة العسكرية بعد محاولة اغتياله يوم 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق ليوم 14 ديسمبر 1926 م من أعدائه ، ومن حارسه أيضا عميروش أمقران.

40-الهادي درواز : كتاب الأناشيد الوطنية، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر، ص : 22-23.

41-أحمد حمّاني : ابن باديس والثورة، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 105.

42-الشهاب، ج9-م 13، غرة رمضان 1356 هـ/نوفمبر 1937 م، ص : 403 – 406.

43-الشهاب، ج9-م 13، غرة رمضان 1356 هـ/نوفمبر 1937 م، ص : 403 – 406.

44-محمد الصالح بن عتيق، أحداث ومواقف في مجال الدعوة والإصلاح، منشور دحلب، الجزائر، ص : 181-182.

45-الفضيل الورتلاني : الجزائر الثائرة، دار الهدى للطباعة والنشر عين مليلة، الجزائر، 1992 م، ص : 146.

46-محمد بن سمينة : قراءة في مسار الجهاد السياسي لجمعية العلماء الجزائريين ، مجلة بونة للبحوث والدراسات، ع2، تصدر عن مؤسسة بونة للنشر والتوزيع، رمضان 1425 /تشرين الثاني 2004 م، ص : 80.

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد الحميد بن باديس ©  2005 مركز الشهاب للإعلام -  تصميم عبد المالك حداد   

يحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد الموقع بثلاث شروط : عزو ما يأخذ إلى موقع الإمام عبد الحميد بن باديس www.binbadis.net،

الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه، ثالثا : عدم استخدام مواد المواقع للأغراض التجارية، والله الموفق.

لأفضل استعراض، الرجاء ضبط دقة الشاشة على