صفحة البدايةالتعريف بالموقع هيئة التحرير  | البحثراسلنا

اجعل موقع ابن باديس صفحة الاستقبال لديك 

 

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

 

خصائص التفسير الباديسي

                             

   بقلم خالد توفيق

 

كاتب من العراق

في عام 1357ه‍، بالتحديد في 13 ربيع الثاني من تلك السنة (الموافق لحزيران من سنة 1938)، تحرّكت الوفود من أنحاء الجزائر وهي تتّجه صوب مدينة قُسنطينة, وبالذات إلى «المسجد الأخضر» حيث احتفل البلد برمّته بانتهاء الشيخ عبد الحميد بن باديس من إكمال تفسير القرآن الكريم(1).

منذ ذلك الحين والشعب الجزائري يحتفي بذكرى هذا اليوم القرآني الأغر. فالمرحلة كانت قاسية ولا ريب، وهي تستحق التكريم، ليس لظروف الاحتلال الفرنسي المباشر للتراب الجزائري وشدّة العداء للقرآن ولغته وحسب، إنّما أيضاً للجهد البالغ الذي بذله الشيخ وما اتّسم به الحدث من فرادة.

فابن باديس شرع في تفسيره يلقيه درساً على طريقة السلف منذ عام 1914م، إذ دأب يلقي دروسه على جموع المصلّين في المسجد الأخضر بين صلاتي المغرب والعشاء من كلّ يوم، لمدّة خمسة وعشرين عاماً كاملة، إلا إذا كان في سفر أو حالت دون حضوره ضرورة.

للجزائريين كلّ الحقّ في الاحتفاء بهذه اللحظة وتكريم المناسبة, بعد أن ظلّوا ينتظرونها قروناً مديدة. ففي هذا السياق يذكر الشيخ البشير الإبراهيمي (ت: 1965م) زميل ابن باديس في مقال عن خصائص التفسير الباديسي, أنَّ التفسير لم يُختم كاملاً في الجزائر على طريقة الدرس والدراية من قبل غير ابن باديس مذ ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة للهجرة(2).

لكن برغم ذلك كلّه لم تدم للجزائر فرحتها، كما لم تدم للمسلمين قاطبة ولاسيما المعنيين منهم بحقل المعرفة القرآنية عامّة وحركة التفسير خاصّة، إذ لم يدوَّن شيء من حصيلة ربع قرن من دروس التفسير لا من قبل ابن باديس نفسه، ولا من تلامذته أو من حضر الدروس من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أو من غيرهم!

وهكذا ضاعت ثروة عظيمة كانت ستكون مناراً قرآنياً هادياً في حياة الجزائريين وشعوب المغرب الإسلامي عامّة، بالإضافة إلى ما كانت ستضيفه إلى المكتبة القرآنية خاصّة(3).

حينما نسجّل هذه الكلمات فلا نصف غائباً نجهله، بل بين أيدينا، أولاً، شخصية الرجل بما تحفل به من حيوية وصفاء، وما له من إرادةٍ ومْضاءَ بانت في مواقفه إبّان مسار الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائر خلال مرحلة الغزو الفرنسي.

ثـمَّ بين أيدينا، ثانياً، كتاباته وآثاره العلمية المختلفة، ومن بينها من حسن الحظ، مجلد كامل وضخم لأمثلة متنوّعة من تفسيره كانت قد جُمعت كحصيلة لما كان يكتبه تفسيراً متسلسلاً في صحيفته «الشهاب» لآي متفرّقة من الكتاب المنير(4). فحينما تقضي وقتاً معيناً مع صفحات هذا المجلد، تستشعر ضخامة الخسارة التي مُنيت بها الجزائر خاصّة والمكتبة القرآنية عامّة إثر ضياع تفسير الشيخ ابن باديس بعد عدم تدوينه.

لمحات من حياة ابن باديس

ولد عبد الحميد بن محمّد المصطفى بن باديس الصنهاجي سنة 1308ه‍ (الموافق لشهر كانون الأول 1889م) في مدينة قُسنطينة، لأسرة جزائرية معروفة بالعلم والثراء والجاه. رعاه والده بحسن التربية وقد أعانه على ذلك ثراء الأسرة والوظيفة التي كان يشغلها في سلك الإدارة الفرنسية للبلد؛ إذ كان والده ذا وجاهة سياسية, مقرباً من الفرنسيين, وكان عضواً في المجلس الجزائري الأعلى والمجلس العام(5). وبذلك تحوّلت وجاهة والده إلى حصن يوفّر له الحماية وفسحة من الحرية لممارسة نشاطه ودفع كيد الفرنسيين. أمّا من حيث الطرق الصوفية, فقد كانت عائلته تنتمي إلى الطريقة      القادرية(6).

التحق عبد الحميد بـ «الكتّاب» مبكراً, فحفظ القرآن الكريم كاملاً في السنة الثالثة عشرة من عمره, ثـمَّ تلقّى دروس العربية ومبادئ الإسلام, وتتلمذ على يد الشيخ حمدان بن لْونيسي. وفي مرحلة دراسية متقدّمة سافر إلى جامع الزيتونة في تونس حيث أمضى هناك أربع سنوات امتدّت بين 1908 ـ 1912م, تتلمذ على صفوة علماء الزيتونة يومذاك, مثل الشيخ محمّد النخلي القيرواني، والشيخ محمّد الطاهر بن عاشور، والشيخ محمّد الخضر حسين، والشيخ الصالح النيفر، وغيرهم من أفاضل علماء جامع الزيتونة. بعد أن أنهى شوطه الدراسي عاد إلى بلده في محاولة باءت بالفشل للشروع بحلقات تدريسية تكون على نمط تلك التي تلقّاها في تونس.

لذلك اضطرّ لمغادرة الجزائر مرّة أخرى لقضاء بعض الوقت متنقّلاً بين تونس، والحجاز، وسوريا، ولبنان، ومصر قبل أن يعود مجدّداً إلى وطنه(7)، لكن هذه المرّة بعزم أكبر وبتصميم أقوى على مواجهة العقبات، تشدّ من أزره وصيّة أستاذه المحبّب إلى نفسه حمدان لونيسي الذي تلقى على يديه دروسه الأولى في العلم الديني. فقد طلب منه هذا الأستاذ أن لا يقرب الوظائف الرسمية, ولا يتّخذ علمه وسيلة لتحصيلها, على ما يذكر ذلك ابن باديس نفسه, بقوله: «شدّد عليَّ أن لا أقرب الوظيفة ولا أرضاها ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعل أمثالي في ذلك الوقت»(8) بخاصّة وأنَّ الوظيفة يومذاك كانت في الدوائر الفرنسية ولخدمتهم. لقد ظلَّ ابن باديس يشعر بالامتنان الكبير لوصيّة أستاذه هذه, التي تحوّلت إلى نبراس خطَّ له مسار حياته في ما بعد, حتّى بلغ من تأثيرها في نفسه وعلى منهاجه العملي في الحياة, أنّه ذكرها معتزاً بها في الاحتفال الذي عقد بمدينة قسنطينة بمناسبة ختمه لتفسير القرآن, قبل سنة واحدة من وفاته.

ترافق العمل الاجتماعي الإصلاحي العام مع النشاط العلمي في حياة ابن باديس، بيدَ أنَّ الغالب في نشاطه العلمي هي الدروس التي راح يلقيها في المسجد الأخضر بمثابرة مدهشة, من سنة 1913م بعد عودته من جولته المذكورة حتى وفاته في 16نيسان 1940. فقد عكف طوال هذه المدّة على مباشرة التدريس يومياً وبثَّ دروسه المتنوعة على طلاب العلوم الإسلامية من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء, يتخلّل ذلك أجوبته على الاستفتاءات الشرعية التي تُوجّه إليه, ومباشرة قضايا الناس, والتصدّي لإلقاء المحاضرات العامّة للجمهور, بما في ذلك درسه اليومي في التفسير بين صلاتي المغرب والعشاء هذا الدرس الذي داوم عليه خمسة وعشرين عاماً حتَّى أتمَّ تفسير كتاب الله.

بهذه المثابرة الفذّة تحوّلت قسنطينة كبرى مدن الشرق الجزائري, إلى مركز لاجتذاب طلاب العلوم الإسلامية والشباب المتطلّع إلى مبادئ العربية والإسلام, لتنسجم بذلك مع موقعها الريادي بصفتها العاصمة العلمية للجزائر.

على ضوء هذا الاستغراق في النشاطين العلمي والاجتماعي العام وكنتيجة له, لم يصلنا من آثار ابن باديس المدوّنة سوى ما كتبه بخط يده في صحيفته الأولى «المنتقد» التي أصدرها عام 1925م، وفي صحيفة «الشهاب» بعد ذلك(9)، بالإضافة إلى كتابات أخرى موزّعة على صحف متعدّدة, كان يمارس إصدارها أو الكتابة فيها في غمرة انهماكه بالتدريس مضافاً إلى تصدّيه للقضايا العامّة(10), ليصطفّ بذلك إلى جوار عدد آخر من رموز الإحياء سبقوه في هذه الخصلة, حيث لم يؤثر عن جمال الدين الأفغاني، مثلاً، كتابات تذكر بعد أن استغرقته هموم العمل والإصلاح. وفي لمحة موحية في توجيه سبب انصرافه عن التأليف, أُثِر عن ابن باديس قوله: «شغلنا تأليف الرجال عن الكتب»(11).

الأفكار المحورية

ظلّ الهاجس الأكبر الذي يضغط على عقل الشيخ ابن باديس ما كان يعانيه الشعب الجزائري تحت نير الاستعمار الفرنسي؛ لذلك رأى أن لا خلاص للجزائر إلا بانبعاث هوية تقوم على العقيدة وتؤالف بين العروبة والإسلام في غير تناقض بين الاثنين. بيد أنَّ تركيزه على العروبة لم ينبع من إيمان بتحويل هذه الرابطة إلى بديل للإسلام نفسه, على ما تبنت ذلك عناصر التيار القومي في ما أطلق عليه لاحقاً بعصر النهضة العربية, أو الشقِّ العلماني في هذا التيار على الأقل(12), وإنّما كان لهذا التأكيد مناشئ أخرى نجمت عن سياسة «الفَرنَسة» التي انتهجتها فرنسا في الجزائر؛ هذه السياسة التي كان من أعمدتها عدّ العربية لغة أجنبية(13)!

والحقيقة أن هذه الخطوة جاءت استجابة لرؤية ابن باديس الثلاثية عن مقوّمات وجود الأمّة ودوام حياتها. فالذي يكوّن الأمّة ويعطيها قوامها ويهبها الاستمرارية ككيان حي, هو العقيدة والثقافة والاعتزاز بالماضي, ومادام الشعب لم يفقد هذه المقوّمات, فهو حي ولو كان مستعبداً(14).

على خطٍ آخر, يمكن القول: إن نهج الشيخ ابن باديس في الإحياء الإسلامي يقوم على سلفية مستنيرة تستهدي الأفكار الإحيائية لجمال الدين الأفغاني، ومحمّد عبده ورشيد رضا، مع لمحات إعجاب لا يمكن التخفي عليها باتجاه ابن تيمية، وابن القيم وابن عبد الوهاب، لكن على الأعمّ من غير تزمت أو تعصّب مذهبي أو تحجّر وضيق أفق, فلا استثناءات قليلة. تشهد حياة ابن باديس وسيرته العملية في خطّها العام, انفتاحاً كبيراً ومبكراً في العقلية ومنهاج التفكير وطريقة الفهم, بالإضافة إلى انفتاح موازٍ على قضايا الواقع ومشكلاته ومستجدات الحياة. ففي مثال مبكر يعود إلى عام 1926م, يكتب ابن باديس مخاطباً الشعب الجزائري في صحيفته «الشهاب»: «إذا أردت الحياة لهذا كلّه, فكن ابن وقتك، تسير مع العصر الذي أنت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعامل». ويكتب في «الشهاب» أيضاً: «كن عصرياً في فكرك, وفي عملك وفي تجارتك وفي صناعتك وفي فلاحتك, وفي تمدنك وفي رقيك»(15).

أمّا البداية التي ينطلق منها، فقد تمثّلت بإصلاح المنهج التعليمي وابتعاث دور العلماء في المجتمع، هذا الدور الذي ظلَّ معوّقاً تبعاً لعقم المناهج التعليمية السائدة يومذاك، وهيمنة الطرق الصوفية على النسيج الاجتماعي مع ما كان يبديه بعضها ـ وربّما أغلبها ـ لميل إلى التسكين الاجتماعي السلبي؛ لذلك كلّه قد يصحّ القول: إنَّ إصلاح التعليم هو نقطة البدء في المشروع الإصلاحي لابن باديس.

من السهل أن نلمح هنا تأثّر ابن باديس الكبير بالاتجاه الإصلاحي للشيخ عبده(16) والسيد رشيد رضا. يكتب ابن باديس في صحيفته «الشهاب» مدلاً على الموقع الحيوي الذي تحظى به هذه النقطة, في مشروعه الإصلاحي: «لن يصلح المسلمون حتّى يصلح علماؤهم، فإنَّ العلماء من الأمّة بمثابة القلب, إذا صلُح صَلح الجسد كلّه، وإذا فَسد فسد الجسد كلّه... فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم، فالتعليم هو الذي يطبع المتعلّم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته, وما يستقبل من عمله لنفسه وغيره»(17).

انطلاقاً من هذه البداية التحليلية ووفاءً بمتطلّباتها, شرع ابن باديس في سلسلة نشاطاته السياسيّة والاجتماعية والعلمية، فكان برنامجه الإصلاحي على صعيد التعليم الذي اتخذ من المسجد الأخضر مركزاً له، ثـمَّ جاء نشاطه المكثّف في الصحافة متجاوباً مع الإيقاع نفسه؛ هذا النشاط الذي استمر ما يناهز الثلاثة عقود هي مجموع ما أمضاه من عمره في العمل الاجتماعي العام، حيث لم يترك الصحافة إلا قبل عام واحد من وفاته.

في الإطار ذاته، جاء تأسيسه لجمعية العلماء المسلمين في الجزائر سنة 1931(18), حيث كان ابن باديس يبدي اهتماماً كبيراً بضرورة العمل الجماعي المنظّم الذي يستند إلى التخطيط الدقيق, ويعدّ ذلك من مقتضيات الإيمان, وشرطاً ضرورياً لابدّ منه لنهضة الأمّة, على ما نوّه إليه في العديد من المناسبات وفي مواضع كثيرة من تفسيره, ربّما كان أمضاها ما ذكره عند تفسير الآيتَين (62 ـ 63) من سورة النور, حين كتب: «إنّما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوّة, وإنّما تكون لهم قوّة إذا كانت لهم جماعة منظّمة, تفكر وتدبّر وتتشاور وتتآزر, وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرّة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة. ولهذا قرن الله في هذه الآية بين الإيمان بالله ورسوله, والحديث عن الجماعة وما يتعلّق بالاجتماع, فيرشدنا هذا إلى خطر أمر الاجتماع ونظامه, ولزوم الحرص والمحافظة عليه, كأصل لازم للقيام بمقتضيات الإيمان وحفظ عموم الإسلام»(19).

أمّا على الصعيد العلمي، فقد جاءت آثار ابن باديس وفي طليعتها دروسه في التفسير, تصبّ في المنحى العام لنهجه الإصلاحي. فقد كان يعتقد أنَّ المهمّة الأولى التي تقع على عاتقه وعاتق زملائه العلماء, هي تربية جيل جديد تربية إسلامية أساسها القرآن. وربما كان أدلّ نص تركه على مبدأ التربية بالقرآن ومن خلاله, هو ما كتبه في «الشهاب» عام 1938م: «إننا نربّي ـ والحمد لله ـ تلامذتنا على القرآن، ونوجّه نفوسهم إلى القرآن من أول يوم وفي كلّ يوم، وغايتنا التي ستتحقّق، أن يكَوِّن القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تُعلّق الأمّة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها»(20).

الاتجاه الاجتماعي

أشرنا غير مرّة أنَّ حصيلة ربع قرن من الدروس القرآنية ضاعت من بين أيدينا، ولم يبق من آثار الشيخ التفسيرية سوى ما كان يكتبه في صحيفته «الشهاب» تحت عنوان «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير» وهي مقالات متفرقة في التفسير اشتملت على مقدّمة في القرآن، وإشارات تفسيرية في آيات متسلسلة من سورة الإسراء، والفرقان، والنمل، ويس. ثمَّ آيات متفرقة من سورة يوسف، والنحل، والمائدة، والنور، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والذاريات, وتفسير المعوذتين اللتين ختم بهما تفسيره للقرآن وألقاهما في الاحتفال الخاص بذلك(21), وأخيراً بحث قرآني عن العرب في القرآن الكريم(22). لقد تصدّى الباحثان محمّد الصالح رمضان (جزائري) وتوفيق محمّد شاهين (مصري) لجمع متفرقات «الشهاب» وإعدادها وترتيبها والتعليق عليها, ثـمَّ نشرها في مجلد ضخم بعنوان «تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»(23).

حين نعود إلى هذا التفسير، ونتفحصه, نجد أنَّ الناظم المشترك الذي يتوزّعه, هو أن يتحوّل القرآن إلى محضن لإعداد الرجال، وإلى سبيل لنهضة الأمة. فالقرآن الذي «كوّن رجال السلف لا يكثر عليه أن يكوّن رجالاً من الخلف, لو أُحسن فهمه وتدبّره, وحملت الأنفس على منهاجه»(24). تفسير ابن باديس ينتمي إلى المدرسة الاجتماعية التي وضع بذورها الأولى الأفغاني في العصر الحديث, ثمَّ تبلورت معالمها في تفسير المنار, وبعده تفسير «محاسن التأويل» لجمال الدين القاسمي (ت: 1332ه‍), وتفسير أحمد مصطفى المراغي (ت: 1371ه‍), وتفسير «في ظلال القرآن» لسيّد قطب (ت: 1368ه‍), وتفسير «الميزان» للطباطبائي (ت: 1403هـ)، والأعمال القرآنية لمحمّد حسين كاشف الغطاء (ت: 1373هـ) والتفسير «الكاشف» لمحمّد جواد مغنية (ت: 1979م) وغيرهم من المعاصرين.

تنحو المدرسة الاجتماعية في التفسير إلى ربط معاني القرآن بالواقع من دون إهمال للبحوث النظرية والعلمية, لكن، أيضاً، من دون استغراق بها. فهي تلامس قضايا الإنسان والمجتمع, وتمسّ ما يعانيه المسلمون من مشكلات, تفعل ذلك بلغة مشرقة واضحة تدفع إلى شدّ الإنسان بالقرآن(25).

وبذلك بدت المعاني القرآنية التي أبرزَها ابن باديس في تفسيره ذات صلة مباشرة بواقع الأمّة, وبحركة الحياة وسلوك الإنسان وما تعتصره من مشكلات وما يكابده من مشاق كان يعاني منها وهو تحت قيد الاستعمار الفرنسي. لقد تحوّل التفسير إلى مسار عودة إلى كتاب الله, وإلى حلقة وصل بين القرآن والحياة, من دون أن يَبدو التكلّف في ذلك.

رغم أنَّ ابن باديس لم يكتب المجلد الماثل بين أيدينا ليصدر كتفسير بالمعنى الوظيفي والمنهجي للمصطلح, إلا أن من الميسور أن نتحدّث عن منهجه التفسيري وأسلوبه الذي سار عليه خلال دروسه التفسيرية التي ألقاها طوال خمسة وعشرين عاماً كاملة, خصوصاً وأنّ هذه المختارات لا تخلو من إشارات إلى منهاجيات التفسير, بعضها نافذ وعميق.

فاللغة مشرقة سهلة بيد أنّها بليغة ومتماسكة، بعيدة عن الإنشاء والخطابة. أمّا المعاني والأفكار فهي مكثّفة في المختارات التفسيرية إلى حدّ كبير، بحيث اضطر المتصديان لجمع التفسير إلى تبويبها على مئات العناوين الثانوية الصغيرة.

هجر القرآن

قد لا تدخل هذه النقطة تحت عنوان المنهج التفسيري مباشرة, لكنها تلتقي معه من خلال النقد الذي يسجّله ابن باديس لأسلوب تعليم العلوم الإسلامية ومنهج التفكير الناشئ عنه, وخصوصاً في حواضر العلوم الإسلامية وبين صفوف العلماء المتخرجين من هذه الحواضر؛ لذلك آثرنا تناوله في عنوان مستقل.

تحدث ابن باديس عن ظاهرة هجر القرآن ومظاهرها في مواضع متعدّدة في تفسيره, ربّما كان أجمعها عند تفسير قوله سبحانه: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾(26), حين عرض مبدأ تعدّد طبقات الهجر, وأنَّ لكلّ هاجر حظّه من هذه الشكوى. ثمَّ عرض لخمسة من أبرز مظاهر هذا الهجر, هي:

1ـ الهجر على المستوى العقيدي: بَسَط القرآن عقائد الإيمان بأدلّتها العقلية القريبة القاطعة, فهجرناها بذريعة أنّها أدلّة سمعية لا تورث اليقين وأخذنا بدلاً منها «الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعدّدة, واصطلاحاتها المحدثة, ممّا يصعب أمره على الطلبة فضلاً عن العامّة»(27). هل يعكس هذا النص موقفاً مناوئاً من الكلام والفلسفة على نحو مطلق؟ ربّما تعبّر إثارة هذا السؤال عن محاولة ملتوية للالتفاف على النقطة التي أثارها ابن باديس, بوضعه أمام تهمة معروفة هي مناوءة الفلسفة بل حتّى المنطق والكلام, وهذا ما لا أقصده, إنّما أهدف إلى استقصاء عناصر الرؤية كاملة.

يبدأ ابن باديس من نقطة يتفق عليها الجميع, هي ضرورة وجود الحجّة أو الدليل في العقائد, ويكفي عنده العلم الذي ينشأ من دليل إجمالي كالاستدلال بوجود المخلوق على وجود الخالق. وما يراه أن أدلّة العقائد مبسوطة في القرآن بغاية البيان ونهاية التيسير, ومن ثمَّ يتعين على العلماء أن يلجأوا إلى القرآن نفسه لبناء عقائد المسلمين, بدلاً من أن يستغرقوا مع أدلّة المتكلّمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية(28), وإذ لم يفعلوا فذلك يعبّر عن مظهر من مظاهر «الهجر لكتاب الله وتصعيب طريق العلم إلى عباده» ينتج عنه «ما نراه اليوم في عامّة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام الحقة»(29).

فالقضية المطروحة إذن، هي هجر القرآن على مستوى العقيدة, فمادام كتاب الله يحوي هذه العقيدة وأدلّتها فينبغي الرجوع إليه. أمّا عن الكلام والفلسفة فنحن إزاء موازنة تميل إلى ترجيح منهج القرآن، ولسنا إزاء موقف مبدئي (مبنائي) من مناهج المعرفة يسمح بإصدار حكم واضح ضدَّ الكلام والفلسفة أو معهما. أجل, يسجّل ابن باديس نقده لمناهج المتكلّمين والفلاسفة غير مرّة, ولا يخفي تبرمه ممّا أسماه «تشكيكات الفلاسفة وفروضهم, ومماحكات المتكلّمين ومناقضاتهم»(30).

ربّما كان هذا هو الباعث الذي دفعه لوضع كتاب «العقائد الإسلامية من الكتاب والسنّة»(31).

2ـ الهجر على المستوى الفقهي: يقوم أسلوب القرآن على بيان أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام مع «بيان حِكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام, فهجرنا, واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر, جافة بلا حكمة, محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة, تفنى الأعمار قبل الوصول إليها»(32). يحثّ ابن باديس على دمج الفتوى بالدليل لربط الناس بالقرآن والحديث والتأثير على وجدانها, وهو يحرص على إبراز هذا العنصر في تفسيره ويلحّ عليه حيثما كان ذلك ممكناً, ويعدّ مخالفته من ضروب هجر القرآن. يقول في نصّ ممتلئ الدلالة: «ينبغي لأهل العلم أيضاً إذا أفتوا أو أرشدوا, أن يذكروا أدلّة القرآن والسنّة لفتاويهم ومواعظهم, ليقرّبوا المسلمين إلى أصل دينهم ويذيقوهم حلاوته, ويعرّفوهم منزلته... ويكون لفتواهم ومواعظهم رسوخ من القلوب, وأثر من النفوس»(33).

3ـ الهجر على المستوى الأخلاقي: للقرآن الكريم منهاجه الخاص في بيان مكارم الأخلاق والتربية المعنوية والإعداد الروحي, وتزكية النفس. وقد صُمّمت المناهج في هذا الصدد, بعيداً عن أجواء القرآن وعناصره لتتورط بالهجر. وبتعبير ابن باديس نفسه: «فهجرنا ذلك كلّه, ووضعنا أوضاعاً من عند أنفسنا, واصطلاحات من اختراعاتنا»(34) ما تسبّب باضطرابات كبيرة على مستوى التربية الروحية وتزكية النفس والإعداد الروحي, أفضى، أحياناً، إلى انتشار البدع والبعد عن روح الإسلام.

4ـ الهجر على مستوى التأمّل الكوني ونظام الخليقة والتكوين: يقول في بيان هذا الضرب من الهجر: «عرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه, ونبّهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل. فهجرنا ذلك كلّه إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور!»(35).

5ـ هجر التدبّر بالقرآن وفهمه والتفكير فيه: عند هذه النقطة يتّجه ابن باديس بالنقد مباشرة إلى المناهج السائدة في حواضر العلم الديني، ويأخذ عليها أنها تستهلك جهد الطالب في العلوم الآلية، ولا تبقي له وقتاً أو رغبةً بالعودة إلى القرآن. بل هذه مناهج مصمّمة بطريقة يستغني معها طالب العلم الإسلامي من العودة إلى القرآن، فهو ينفق العمر في كلّ شيء إلا في كتاب الله، وإذا كانت هناك حصّة للتفسير فهي تتّجه إلى تطبيق القواعد التي تعلمها على القرآن، ولا شأن لها بفهم كتاب الله وتدبّره، وتملّي معانيه.

يكتب مدلِّلاً على هذه المعاني: «دعانا القرآن إلى تدبّره وتفهمه والتفكّر في آياته، ولا يتمّ ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه، فترى الطالب يفني حصّة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلاً، بل ويصير مدرساً متصدراً ولم يفعل ذلك». ثمَّ ينتقل لاستعراض واقع الدرس القرآني في جامع الزيتونة الذي كان يؤمّه طلاب العلوم الإسلامية من مختلف بلدان المغرب العربي وبعض بلدان أفريقيا, ليصف حال القرآن فيه على نحو حزين مفجع, يقول فيه: «وفي جامع الزيتونة عمّره الله تعالى, إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع(36) في درس التفسير, فإنَّه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية... في القواعد التي كان يحسب أنّه فرغ منها من قبل, فيقضي في خصومة من الخصومات أياماً أو شهوراً, فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلاً دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنّما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنّها تطبيقات للقواعد على الآيات, كأنَّ التفسير إنّما يُقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية, لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية. فهذا هجر آخر للقرآن, مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن!»(37).

بعد القرآن الكريم ينتقل ابن باديس إلى واقع السنّة النبوية لينتهي إلى أنّه قد أصابها ما أصاب القرآن, وأنّها وإياه على حدّ سواء في الهجر في أوساط الحواضر العلمية؛ وبنصّ تعبيره: «فهجرناها كما هجرناه, وعاملناها بما عاملناه, حتّى أنّه ليقلّ في المتصدّرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد, من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة... مطالعةً, فضلاً عن غيرهم من أهل العلم»(38).

يضعنا هذا الواقع أمام نتيجة خطيرة من شقّين، الأول طبيعة المنهج التعليمي السائد في حواضر العلم الإسلامي والمعاهد الدينية؛ ففي ما يُفترض بهذا المنهج أنّه يربّي المنتمين إليه بالإسلام وسنامه الأعلى متمثلاً بالقرآن والسنة، إذا به يصدّ عنهما، ويزوّد طلاب العلم الديني بحجب ترين على العقول والنفوس تصدّهما عن القرآن والسنة، ثمَّ تعلو هذه الحجب وتتضخم كلما مكث الطالب أكثر وتوغَّل في أعماق العلوم الآلية أزيد، لتتحوّل إلى بنيان شاهق يحجبه تماماً ـ والعياذ بالله ـ عن رؤية القرآن والسنة والأنس بهما، وتذوّق طعمهما.

أمّا الشقّ الثاني، فيتمثل بطبيعة طريقة التفكير الإسلامي الناشئة عن هذا النمط التعليمي. فمن يتخرّج من هذه الأوساط يمكن أن ينسب إلى أيّ شيء في فهمه للدين وطبيعة رؤيته للإسلام وتفكيره الإسلامي, إلا إلى القرآن والسنّة. وهذه نتيجة مدمّرة تثير الفزع حقاً, وتؤدي ـ بل أدّت فعلاً ولا تزال ـ إلى تبعات فجيعة مرعبة على واقع الإسلام    والمسلمين(39)!

من جهة أخرى تضعنا هذه النتيجة في غربة القرآن والسنّة عن المنهج التعليمي الإسلامي, وبالتبع لذلك عن طريقة التفكير الإسلامي؛ تضعنا أمام حقيقة تفيد أن هذه المأساة ترمي بظلالها على شقّي الأمّة جميعاً الشيعة والسنّة. فإذا كان القرآن والسنّة مهمّشين في طبيعة المنهج التعليمي والفكري السائد في الحواضر والمعاهد السنّية, فإنَّ صدى الفاجعة انطلق عالياً في أصوات ناقدة تشكو المصيبة ذاتها في الحواضر والمعاهد الشيعية. فعن ابتعاد منهج التفكير الإسلامي عند المسلمين عن القرآن, يستعرض المفسّر القرآني السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت: 1403ه‍) مراحل تطوّر الفكر الإسلامي والمسار الذي قطعه, ليكشف عن هذا الطريق غربة تفكير المسلمين عن كتاب الله. ثمَّ ينبّه إلى المسألة الخطيرة ذاتها التي تنبّه إليها الشيخ ابن باديس, حين يلحظ أنَّ النسق التعليمي الذي شاع في المراكز الدينية مصمّم على نحو يفضي إلى قطيعة العلوم الدينية عن القرآن نفسه, حيث يكتب: «إنّك إن تبصرت في أمر هذه العلوم وجدت أنّها نُظّمت تنظيماً لا حاجة لها إلى القرآن أصلاً, حتّى أنّه يمكن للمتعلم أن يتعلمها جميعاً: الصرف، والنحو، والبيان، واللغة، والحديث، والرجال، والدراية، والفقه والأصول فيأتي آخرها, ثمَّ يتضلّع بها, ثمَّ يجتهد ويتمهّر فيها وهو لم يقرأ القرآن, ولم يمسّ مصحفاً قطّ, فلم يبق للقرآن بحسب الحقيقة إلا التلاوة لكسب الثواب أو اتخاذه تميمة للأولاد تحفظهم عن طوارق الحدثان!»(40).

أمّا تلميذه المبرّز مرتضى مطهّري (ت: 1979م) فقد أطلقها صرخةً مدوية, وهو ينقد واقع حضور القرآن في الحوزات العلمية وانكبابها على العلوم الأخرى وإهمالها لكتاب الله. ففي إطار تحليل اجتماعي لثقافة الشباب وحصّة القرآن في هذه الثقافة, يعلل غياب القرآن فيها, على أساس تراجع حضوره في المنهج التعليمي للحوزات الدينية نفسها. إنّه يتحدّث صراحة عن هجر القرآن في هذه المراكز, والحصار الذي تضربه العلوم الآلية والمعارف الأخرى على القرآن ومعارفه ورجاله, وما يعانيه من يريد التخصّص بتفسير القرآن وما يرتبط به, ففي مقابل الإعلاء من شأن المتخصّص بالفقه والأصول وسواهما, ثمَّ لا مبالاة وربّما استخفاف بمن يتخصّص بالقرآن, حيث ينعت عادةً أنّه هرب من العلوم العميقة إلى الأدبيات!

عندما تلتقي هذه النظرة مع طبيعة المنهج السائد في الحوزات, ستكون الحصيلة، بحسب مطهّري، هو أن يكون عندنا آلاف المتخصّصين بكتاب أصولي مثل «الكفاية», على حين نعدَم وجود بضعة متخصّصين بالقرآن الكريم(41). وفي النتيجة لا ينبغي لوم جيل الشباب لانقطاعه عن القرآن أو ضآلة معرفته به, بل ينبغي توجيه أصابع المسؤولية إلى مراكز التوجيه الديني ذاتها, وفي طليعتها الحوزات في الوسط الشيعي والمعاهد الدينية في الوسط السنّي.

هل تبدّل الحال منذ أن سجّل ابن باديس نقده هذا قبل حوالي مائة عام؟ من المؤكد أنَّ تغييراً ما قد طرأ على المشهد وتحسنت الصورة بعض الشيء, لكن لا يزال الخط العام لتحصيل العلوم الدينية بعيداً، في مجراه العميق، عن القرآن, كقاعدة ومنطلق يؤطّر منهج العلوم ويصوغ طريقة التفكير عند المسلمين.

منهاجيات التفسير

لا أخفي أنّي أمضيت وقتاً ممتعاً وغنياً مع هذا الكتاب التفسيري المهم, وقمت أثناء المطالعة بجمع ما يمكن أن يؤلّف العناصر الرئيسية في المنهج التفسيري, مع التقاط أمثلة قرآنية وتطبيقات تفسيرية على درجة عالية من الأهمّية, خاصّة في ما يرتبط بتخلّف المسلمين وتقدّمهم والرؤية السننية المتماسكة التي تؤطّر موقف ابن باديس من هذه القضيّة الخطيرة, التي لا تزال تتصدّر أولويات المسلمين.

في ما يلي نعرض أبرز العناصر التي تدخل في عنوان منهاجيات التفسير, وتكوّن في مجموعها المنهج التفسيري:

1ـ مجال القرآن: شغلت مسألة منطقة نفوذ القرآن والمجال الوظيفي الذي ينهض به، بال الأقدمين كما المعاصرين, وراحت تفرض نفسها من خلال العديد من البحوث الكلامية والقرآنية, فهل يكفل القرآن تغطية احتياجات الإنسانية في المجالات كافة حتّى المدنية والتقنية أم يقتصر على دائرة الهداية وما يتّصل بها؟ هل يُعنى النصّ القرآني ببيان مناهج التطبيق العملي كما المبادئ والأهداف العامّة؟ هكذا إلى بقية أسئلة هذا البحث وإشكالياته(42).

الحقيقة أنَّ ابن باديس لم يكن بعيداً عن هذه المسألة, بل انطلق فيها من وجهة نظر تفيد شمولية القرآن, لكن في مجاله. فكتاب الله أفضل الذكر ما في ذلك ريب, والقرآن، كما يذهب الشيخ، محصل لأنواع الأذكار الثلاثة القلبي واللساني والعملي؛ كلّ هذه الحقائق يوضحها ابن باديس في الدرس الأول من دروس التفسير, ثمَّ ينعطف مضيفاً إليها ما عليه كتاب الله من كونه مناراً للهدى وسبيلاً للهداية، ومنهاجاً للمعاش والمعاد معاً. وبذلك تبرز إحدى خصائص الفهم الباديسي, متمثلة بالتركيز على ما بات يُعرف بحركية كتاب الله وحيويته من خلال ما يتّسم به من شمول وإحاطة. فبالإضافة إلى ما للقرآن من مكانة في الذكر «فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد, وبسط أسباب الخير والشر, والسعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة. وعلم النفوس وأحوالها, وأصول الأخلاق والأحكام, وكلّيات السياسة والتشريع, وحقائق الحياة في العمران والاجتماع, ونظم الكون المبنيّة على الرحمة والقوة والعدل والإحسان»(43).

تفيد النظرة المتقصّية لآثار ابن باديس في هذا التفسير, إيمانه بدور القرآن في الهداية وما يتّصل بها من شؤون, وأنَّ منهاج كتاب الله يقوم على أساس بيان المبادئ الكلّية والقواعد العامّة والخطوط العريضة. ما يؤكّد هذا الاستنتاج ويعضده, قوله عند تفسير الآية الكريمة: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(44): «على أنَّ القرآن هو شفاء للاجتماع البشري, كما هو شفاء لأفراده. فقد شرع من أصول العدل, وقواعد العمران, ونظم التعامل, وسياسة الناس, ما فيه العلاج الكافي والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله»(45). نحن إذاً, إزاء عقلية منفتحة على كتاب الله, تجد فيه نوراً للحياة كلّها وسبيلاً للنهضة, دون أن تقصره على جانب دون آخر أو تزوي به بعيداً كي ما يكون ذكراً ينعزل به الذاكر عن معترك الحياة.

على أن هذا الفهم يكتسب أهمّيّة مضاعفة تكمن بطبيعة الظرف الذي سجّل فيه ابن باديس هذه الكلمات. فالطُّرُقية والصوفية كانت ترمي بظلالها الكثيفة وتفرض هيمنتها على النفوس في الجزائر والمغرب قاطبة, ولا يخفى أنَّ بعض اتجاهاتها تحوّلت إلى وسيلة لتعزيز هيمنة المستعمر, خصوصاً عندما كانت تقترن مع الفهم القدري الذي يزعم أنَّ ما حلّ بالشعب الجزائري هو قدر محتوم من الله, لا حيلة لأحد فيه ولا وسيلة للخروج من قيده!

في مثل هذا الوضع الذي تحوّل فيه الدين في بعض ما كان سائداً من اتجاهات خاطئة, إلى عنصر ينزع بالشعب نحو الخمول والخدر, انطلق صوت ابن باديس بهذا الفهم الشامل المستوعِب, ليفعل ما يشبه المعجزة على حدّ تعبير مالك بن نبي (ت: 1973م) الذي كتب نصّاً: «لقد بدأت معجزة البعث تتدفّق من كلمات ابن باديس, فكانت تلك ساعة اليقظة, وبدأ الشعب الجزائري المخدّر يتحرّك, ويالها من يقظة جميلة مباركة, يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم, فتحوّلت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل. وهكذا استيقظ المعنى الجماعي, وتحوّلت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب»(46). يضاف إلى هذه النقطة ويعززها انفتاح ابن باديس على التطوّرات المعاصرة واستيعابها من دون إخلال بهذا التصوّر لوظيفة القرآن ومجاله. فالانفتاح لم يتمّ بمنهج التعسّف في تأويل النصّ القرآني أو إقحام التطوّرات الحديثة على الآيات, وصرف كتاب الله عن مساره كونه كتاب هداية, وإنّما تمّ بمنهج طبيعي وهادئ عكف فيه الشيخ على استنطاق القرآن في ما يكابده مجتمعه يومذاك من قضايا ومشكلات. إلى هذه السمة أشار كاتبا مقدّمة المختارات, حين كتبا: «وأوضح الشيخ باديس الطريق إلى كتاب الإسلام بإبراز قيمه, لتكون بمثابة منار يهدي إلى معرفة ما هو من مهمّة القرآن الكريم فنطلبه منه, وما ليس من مهمته فلا ننتظر منه, ولا نفسره على الإتيان بما يروقنا وإن أكرهنا آياته على ذلك؛ لأنَّ مشاكلنا في الواقع ومشاكل البشرية كلّها تعرض على القرآن الكريم, ثمَّ نرى أيوافق عليها أم لا يوافق»(47).

على أنَّ رؤية ابن باديس لدور القرآن ومجال نفوذه, ستتعزّز أكثر عند الحديث عن مشكلة التخلّف عند المسلمين, ومن خلال المنظور السنني الذي سيتناول به هذه القضيّة, وهو يشير إلى قيمة العقل الإنساني والقيمة الأساسية للجهد البشري.

2ـ موقع السنّة: ترجع رؤية ابن باديس إلى دور السنّة في التفسير, إلى طبيعة موقفه الأصولي المتوازن من السنّة ذاتها كمصدر ثانٍ في الإسلام. فلا غنى للقرآن عن السنّة «لأنّها تفسيره وبيانه»(48), ومن ثمَّ لابدّ من «التفقّه فيه, وفي السنّة النبوية؛ شرحه وبيانه»(49).

يترتّب على هذا الموقف: «أنَّ السنّة النبوية والقرآن لا يتعارضان»(50) ولهذا يردّ الخبر الواحد إذا خالف القطعي من القرآن, والأهم من ذلك هو دور السنّة في إدراك مرامي القرآن ومقاصده, وأنّهما معاً من دون افتراق يمثّلان فقه الإسلام ومواقفه؛ وبنص تعبيره: «­إنَّ فقه القرآن يتوقّف على فقه حياة النبي(ص) وسنته, وفقه حياته صلى الله عليه وآله وسلم يتوقّف على القرآن, وفقه الإسلام يتوقّف على فقههما»(51).

وبذلك تتحوّل السنّة إلى ميزان لكلّ ما سواها، وإلى معيار يتعيّن على المسلمين أن يشقّوا طريقهم على هديه: «كلّ الأقوال والأعمال توزن بأقواله وأعماله [صلى الله عليه وآله], وكلّ الأحوال والسير توزن بسيرته وحاله»(52). وحين تكون السّنة بهذه المثابة,  فإنَّ مخالفتها ومخالفة القرآن, هو الذي جرّ الويلات على المسلمين, وعطّل الإسلام في الحياة: «مخالفة السنّة النبوية والهدي المحمّدي وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, في تنفيذ شرع الله وتطبيق أحكامه, وتمثيل الإسلام تمثيلاً عملياً؛ تلك المخالفة هي سبب كلّ بلاء لَحِق المسلمين حتّى اليوم, بحكم صريح هذه الآية»(53) ويقصد بها قوله سبحانه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾(54).

انطلاقاً من هذه الخلفية في السنة ينتقل إلى دورها في التفسير، وهو يسجّل نصّاً: «وما أحسن التفسير عندما تعضده الأحاديث الصحاح»(55)؛ لأنَّ السنة تفسيره وبيانه كما مر. تطبيقاً لهذه القاعدة، يشهد التفسير حضوراً مكثّفاً للسنة ينهض بدور البيان والتفسير، من دون أن يتحول إلى تفسير أثري(56).

3ـ الإسرائيليات: يأتي في امتداد النقطة السابقة أو ربّما كان جزءاً منها الموقف من الإسرائيليات التي رمت بتأثيرها على مساحة مهمّة من التراث التفسيري للمسلمين. ففي سياق تفسيره لسورة النمل، بالتحديد قصة النبي سليمان(ع) ، أطلق صيحة نذير، جاء بها نصاً: «رُويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة التي امتلأت بها كتب التفسير، ممّا تُلُقِّيَ من غير تثبيت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبّه، وروى شيئاً من ذلك الحاكم في مستدركه»(57).

على عادة الأصوليين بحث ابن باديس في خبر الآحاد ومال إلى الرأي الأغلبي الذي يقول بحجيته في الفروع. بيد أنّه عاد للتمييز بين حقلين، بين الحقل الفقهي، وحقل العقيدة، فإثبات الأمر العقيدي كما أصل الأحكام لا يتمّ بالخبر الضعيف، بل يمكن لهذا الخبر أن يلعب دوره في إضاءة بعض تفصيلات الشأن العقيدي بعد ثباتها بالعلم القطعي والدليل الصحيح في نفسه، مع ضرورة التنبيه إلى ضعف الحديث عند الاستشهاد به(58).

من هذا الموقع نتعامل مع الرأي الذي يبديه ابن باديس وهو يحثّ على التزام التشدد السندي في التعامل مع الأحاديث، خاصّة عند العلماء: «لا تستدل بالحديث بدون بيان رتبته، ولا ذكر لمخرجه، وما هكذا يكون استدلال الأمناء من العلماء» فيتجرأ على «السنة النبوية الغبي والجاهل»(59). قد يعترض بعضهم بأنَّ استخدام منهج التشدد السندي، يؤدي إلى إسقاط عدد كبير من الأحاديث في مجال التفسير، ويعرض الحركة فيه إلى فراغات كبيرة. ينتبه ابن باديس إلى هذه النقطة عندما يأخذ على كثير من المفسرين تساهلهم في سوق أحاديث لم تصح في فضائل السور، ويسجل هذه الضابطة: «لنا في ما صحّ غنية عما لم يصح»(60). والأمر، كما يقول مادام يرتبط بشأن ديني رباني.

لقد كتب أحد الباحثين يقيّم اتجاه ابن باديس في التفسير: فقال: «وانتقد كتب التفسير التي تشيع فيها الإسرائيليات، وفسّر القرآن على الطريقة السلفية مع عدم إغفال التطوّرات الفكرية والحضارية والعلمية المعاصرة»(61). ما أريد أن أقوله هو أنَّ السمتين كلتيهما صحيحتان وباديتان بوضوح في المختارات التفسيرية، فهو يبتعد كثيراً عن الإسرائيليات التي تحتل جزءاً من كتب التفسير القديمة ومن يتأثر بها من المحدثين، وهو، أيضاً، منفتح بدرجة مدهشة على التطوّرات الفكرية والحضارية والعلمية، حتّى لتحسب أنَّ الذي يفصلنا عن هذه المختارات هي حفنة ضئيلة من السنوات، وليس عقوداً مديدة، تصل في أقصاها إلى ثمانية عقود!

4ـ دور العقل: في قضية العقل ينطلق ابن باديس من التوافق بين الشريعة والعقل والفطرة، لينشأ من هذا التوافق مبدأ الملازمة بين هذه المصادر الثلاثة(62)؛ إذ إنَّ كلّ «ما دعا إليه الإسلام من عقائد وأخلاق وأعمال، فهو ممّا تقبله الفطر السليمة، وتدركه العقول بالنظر الصحيح»(63). من هذا المنطلق تتحوّل الفطرة والعقل إلى مقياس بالإضافة للشريعة، يحكم بهما الإنسان ما يواجهه في حركة الحياة: «فعلينا إذا دُعينا إلى شيء أن نعرضه عليهما، راجعين إلى الفطرة الإنسانية وإلى العقل البشري منزهين عن الأغراض، والأهواء، والأوهام، والشبهات»(64).

القرآن إذاً، يخاطب العقل والفطرة، ويعلّم الإنسان الرجوع إليهما، ونجاة الإنسانية إنّما تكون بالرجوع إليهما مع الدين وفاقاً لمبدأ الملازمة بين هذه المصادر الثلاثة. لكن هل تعني هذه النظرة الرحبة إيماناً مطلقاً بقدرات العقل؟ الحقيقة أنَّ للعقل مجال عملٍ تماماً كما أي مصدر آخر من مصادر المعرفة في الوجود، ومن ثمَّ فقدرات العقل ليست مطلقة بل لها حدودها ومداها. ففي بحث طويل يسوقه مفتتح سورة «يس»(65)، يصرّح أنَّ العقل يقف حائراً أمام حقائق كثيرة في آيات الله الكونية «إيقافاً للعقل عند حدّه، وتعريفاً له بقدره»(66)، كما تخفى على العقل، أيضاً، العلّة من وراء بعض التشريعات. هكذا «يقف العقل عاجزاً أمام بعض أسرار الخلق والقدر والشرع»(67) ليعرف أنَّ له حدّاً لا يتعدّاه ومدىً لا يتجاوزه.

عندما نأخذ هذه النظرة للعقل إلى جوار العناصر الأخرى في منهاجيات التفسير، فستكون الحصيلة أنَّ ابن باديس يلتزم بالاجتهاد والنظر العقلي حيثما كان ذلك سديداً بالنسبة إليه. وفي نص دال على اعتماد العقل إلى جوار النقل، تحدّث عن منهجه في دروسه التفسيرية قائلاً: «معتمدين في ذلك على صحيح المنقول، وسديد المعقول، ممّا جلاه أئمّة السلف المتقدّمون، أو غاص عليه علماء الخلف المتأخّرون»(68).

5ـ اللغة: نزل القرآن بلغة العرب، ومن ثمَّ لابدَّ أن يكون للغة العربية موقعها في تكوين المنهج التفسيري، كما لها حجّيتها في الكشف عن حقائق التنزيل ومراميه بالقدر الذي ينسجم مع دورها ووظيفتها. فالمجال التفسيري شهد مع بعض الاتجاهات إعلاءً لدور اللغة يبلغ حدّ التضخيم ويختزل القرآن بأنه نص لغوي وحسب، فيما قد يبدي البعض خفضاً لشأن اللغة إمّا بذريعة أنَّ للقرآن لغته الخاصة من حيث طبيعة المدلولات وسعتها والمفاهيم المترتبة عليها، أو من حيث إنَّ المطلوب من القرآن ليس ألفاظه بل الحقائق الكائنة وراءها، وما الألفاظ إلا قشور لتلك المعاني والحقائق واللباب.

أياً ما يكون الحال، فلا يسع المفسِّر مهما كان منزعه أن يتجاوز اللغة تماماً، ولكن ليس من الضروري ولا المطلوب أن يقف عندها ويختزل القرآن في مداها. وربّما عكست طريقة ابن باديس الوسطية المنشودة, وهو يبادر إلى «تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية, وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية»(69) كما يقول نصّاً في تحديد موقع اللغة من تفسيره وطبيعة تعامله معها. الحقيقة المشهودة له أنّه لا يغرق بالتفاصيل، فهو يتناول المفردة في معناها اللغوي، ولا يطيل في بيان المفردات والتراكيب بذكر الوجوه والاجتهادات، وقد يسوق أحياناً بيتاً من الشعر يؤيّد الرأي الذي يرجحه           وهكذا(70).

على سبيل المثال يكتب عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾(71)، في معنى القفو ما نصه: «القفو: إتباع الأثر، تقول: قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. والمتّبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه ولا نهاية سيره». ثمَّ يوضّح أنَّ «القفو» هو أخص من مطلق الاتباع؛ لأنه اتباع من غير علم، ولذلك اختيرت مادته في الآية، وهو يقول: «لكونه اتباعاً بغير علم، جاء في كلام العرب بمعنى قول الباطل. قال جرير:

وطال حذاري خيفة البين والنوى         وأحدوثة من كاشح متقوّف»(72).

يمكن القول باختصار بناءً على ما بين أيدينا من مختارات تفسيرية: إنَّ ابن باديس لا يغرق باللغة والمفردات والتراكيب البيانية، بل يكتفي منها بالميسور الواضح، مؤيّداً إياه أحياناً متباعدة، بالشواهد الشعرية. وبتعبيره إنّه يستهدي في سيره مع النصّ القرآني بما «دلّت عليه لغة العرب في منظومها ومنثورها»(73).

6ـ علم المناسبات والعلاقة بين السور: دأب ابن باديس على ذكر ما يمكنه ذكره من عناصر منهجه التي يعتمد عليها, عند بداية درسه السنوي في التفسير. وفي إحدى السنوات, كان ممّا ذكره هو إشارته إلى مبدأ «ربط الآيات بوجوه المناسبات» بوصفه عنصراً منهجياً في دروسه.

ما هو علم المناسبة؟ وما شأنه في التفسير؟ يصدر علم المناسبة ببساطة, من إيمان أصحابه بأنَّ توزيع القرآن على سور متسلسلة وفق ترتيبها في المصحف, وتوزيع السورة إلى آيات متسلسلة وفق ترتيبها داخل السورة, هما أمران غير اعتباطيين, بل يكتنزان دلالة ترشد إلى معانٍ غفل عنها البحث التفسيري إلا ما ندر. يزيد بعضهم على ذلك, إدخال أسماء السور, ووجود المناسبة بين هذه الأسماء ومحتويات السور وهكذا.

لقد خصّصت كتب علوم القرآن بحوثاً مكثفة لعلم المناسبة, كما حصل ذلك مع المصدرين الرئيسيين في هذا المجال متمثلين بكتابي الزركشي(74) (ت: 794هـ) والسيوطي(75) (ت: 911هـ). كما تشتهر في هذا السياق المحاولة التفسيرية الضخمة التي وضعها على هذا الأساس إبراهيم البقاعي (ت: 885ه‍) في كتابه المشهور: «نظم الدّرر في تناسب الآي والسور»(76).

العنصر المشترك بين من تحدّث عن علم المناسبة هو إشادته بالعلم والرفع من شأنه ونعته بأنَّه علم شريف عظيم النفع, ثمَّ شكواه قلة عناية المفسّرين به برغم أنَّ أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط التي يكشف عنها علم المناسبات(77). إحياءً لهذا العلم وتفعيلاً لمنافعه في التفسير, أشاد باحثان قرآنيان من إيران محاولة تفسيرية كاملة على أساسه(78).

يبقى أن نذكر أنَّ علم المناسبة بحاجة إلى بناء تحتي يستند إليه، يتمثّل بإثبات توقيفية السور، بل ترتيب الآيات في السورة أيضاً، وهذا ما يتبنّاه أصحاب هذا الاتجاه.

على ضوء هذه الخلفية الوجيزة, نرجع إلى ابن باديس الذي يعتقد بعلم المناسبات ووجود علاقة بين السور, يفضي التدبّر بها إلى استيلاد المزيد من المعاني, بل إلى استخراج ما لا يحصى من المعاني بحسب تعبيره. كما يؤمن أيضاً بالبناء التحتي لهذا التصوّر, في ما يذهب إليه من أنَّ: «ترتيب السور توقيفي, ليس من صنيع جامعي المصحف»(79).

من وجهة تطبيقية يقدّم ابن باديس مثالاً من المعوذتين لمنافع علم المناسبة وقدرته على توليد المزيد من المعاني(80), ثمَّ يزيد عليها بمعطيات موقعهما كونهما السورتين الأخيرتين اللتين يُختم بهما القرآن، وهو يكتب: «لهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبّر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما» ثمَّ يضيف: «يستطيع دارس القرآن ومتدبره ومتقلّبه، بالذهن المشرق والقريحة الصافية، أن يستخرج من الحِكَم في هذا الختم بهما أنواعاً»(81) ليعمد بعدئذ إلى تعداد بعض هذه الحِكَم، ليختم بالقول: «هذه هي المناسبة العامّة بين جميع القرآن مرتباً ترتيبه التوقيفي، وبين هاتين السورتين في اتحاد موضعها»(82).

7ـ بيان القرآن بالقرآن: تفسير القرآن الكريم بالقرآن هو منهج قائم بذاته، وقد تطوّر العمل به في التفاسير الحديثة والمعاصرة. لكن مع ذلك يمكن القول إنَّ هذا المبدأ، قد يترتّب على العمل بعلم المناسبة أو يكون من نتائجه الطبيعية والمنطقية. فمن يريد اكتشاف المعاني والمدلولات الناشئة عن طبيعة علاقة الآيات والسور بعضها ببعض, لا بدّ أن يلجأ إلى أسلوب تفسير القرآن بالقرآن, بل هو في الحقيقة ينفّذ هذا الأسلوب عملياً. ومادام ابن باديس يلتزم منهجياً بالمناسبات, فهو إذاً يأخذ بمبدأ تفسير القرآن بالقرآن.

لكن بمعزل عن علم المناسبة, يعلن ابن باديس إيمانه بتفسير القرآن بالقرآن, بوصفه عنصراً منهجياً قائماً بذاته؛ إذ هو يسجّل بعد أن يسوق مثالاً تطبيقياً على هذا المبدأ, ويحثّ على العمل به, ما نصّه: «وما أكثر ما تجد في القرآن بيان القرآن, فاجعله من بالك تهتد ـ إن شاء الله ـ إليه»(83).

كمثال بسيط على هذا المبدأ, يتساءل عمّن يتلقى عباد الله بالتحية والسلام, في قوله سبحانه: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلاماً﴾(84), ليجيب بأنَّ القرآن بيّن أنَّ الملائكة هم الذين يتلقونهم في السلام، والدعاء لهم بالطيب استناداً لقوله سبحانه: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾(85).

8ـ رأي الصحابي وتفاسير الأقدمين: في المسألة العتيدة التي تُعَرف برأي الصحابي أو تفسير الصحابة، لا يبدي ابن باديس موقفاً تفصيلياً، وإنّما يكتفي بنصب معيار يجعل رأي الصحابي خاضعاً للمناقشة والنقض والإبرام كغيره. والمعيار هو سنة النبي(ص)، فكلّ قول وعمل يوزن بها، فيقبل ما وافقها ويرفض ما خالفها؛ وبنصّ تعبيره: «كلّ الأقوال والأعمال توزن بأقواله وأعماله، وكلّ الأحوال والسير توزن بسيرته وحاله. فما وافقها فهو الحقّ والخير والهدى، وهو الذي يُقْبَل من كائن من كان، وما خالفها فهو الباطل والشر والضلال، وهو الذي يُرَدُّ على صاحبه كـائناً مـن كـان»(86).

أمّا من الناحية العملية، فقلّما رأيت ابن باديس يحتجّ بقول الصحابي في التفسير، بصفته حجة قائمة بذاتها. والسبب في ذلك يعود في الحقيقة، إلى قوّة البعد الاجتهادي في شخصيته وتقدّم عنصر التمحيص والنظر، على التقليد والاتباع عنده.

يعزّز هذه النتيجة أكثر موقفه من تفاسير الأقدمين، فهو لا يتهيّب أصحابها ولا يخشى مخالفة آرائهم انطلاقاً من حقه في الاجتهاد كما اجتهدوا، الأكثر من ذلك أنّه لا يخفي تبرمه من أساليبهم وإسقاطاتهم، وتداخل أقوالهم واضطرابها وأحياناً تناقضها. يقول الشيخ في هذا الشأن: «كنت متبرماً بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيّق الصدر في اختلافهم في ما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية من غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال حتّى في دين الله وكتاب الله. فذاكرت يوماً الشيخ النخلي في ما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الأقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط ويبقى الصحيح وتستريح. [يقول:] فوالله لقد فتح بهذه الكلمة القليلة عن ذهني آفاقاً واسعة لا عهد لي بها»(87).

العمق في الاطلاع على التراث التفسيري واضح في المختارات التفسيرية التي بين أيدينا, لكن من دون أن يدخل ابن باديس في متاهات الأقوال المتضاربة وتداخلاتها, التي تضيّع القارئ وربّما تفقده اقتناص العبرة المرجوة من الآية. فبمناسبة حديثه عن تفهّم كتاب الله والتدبّر بآياته ووجوه دلالته عبر استثارة منطوقه ومفهومه, ذكر بأنَّ ممّا يستند إليه, هو: «ما جاء من التفاسير المأثورة, وما نقل من فهوم الأئمّة الموثوق بعلمهم وأمانتهم, المشهود لهم بذلك من أمثالهم»(88). لكن من دون أن نغفل, ثقله العلمي ودرايته وقوته الاجتهادية ونزوعه بعيداً عن التقليد وعدم تهيبه من مناقشة آراء الآخرين والاختلاف معها, والأهم من ذلك هو المعيار الذي ألزم به نفسه في وزن كلّ قول ورأي, بقول النبي وسنته صلى الله عليه وآله.

أمّا عن مصادره في التفسير, فيذكر منها في خطبة افتتاح الدروس التفسيرية, تفسير الطبري (ت:311ه‍) الذي يمتاز بأسلوبه في البيان وترجيحات صاحبه, وتفسير «الكشّاف» للزمخشري الذي يمتاز بذوقه البياني وتطبيقه فنون البلاغة والتنظير لها بكلام العرب, وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية, وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية والكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج, على ما ذكره في مواصفات هذه المصادر(89)، مضافاً إلى عدد آخر من كتب التفسير والحديث والأحكام.

من الحري أن ننبّه إلى إشادته بابن خلدون (ت: 808ه‍) وبأبي حامد الغزالي (ت: 505ه‍) ونحله الأول لقب «شيخ المؤرخين»(90)، ووصفه كتاب الثاني «إحياء علوم الدين» بوصف لطيف حين نعته بأنه من كتب الفقه النفسي التي تنفع في دواء الحسد وغيره من الأمراض النفسية(91). على أنَّ المقدّمة الخلدونية ترخي بظلالها على المختارات التفسيرية برمّتها، بخاصة إذا عرفنا أنها كانت مقرّراً دراسياً لطلاب العلوم الإسلامية في الجامع الأخضر حيث كان ابن باديس يلقي دروسه.

9ـ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: أجل, إنَّ وعي أسباب النزول ومعرفة أجواء النص والظروف التي كانت سائدة, يسهم بلا شك في إدراك النص وفهمه على نحو أدق وأفضل. لكن قصر الآيات على خصوص الأسباب الموجبة لنزولها يعني جمودها عن العطاء, وموتها بمرور الزمن. هذه القاعدة هي التي أطلق عليها الفقه القرآني لأهل البيت بقاعدة الجري, وأنَّ آيات القرآن حيّة لا تموت تجري مجرى الليل والنهار: «والآية حيّة لا تموت, فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن, ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»(92). كذلك: «إنَّ القرآن حيّ لم يمُت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا»(93).

من ثنايا هذا الفهم بلوَرت علوم القرآن قاعدتها الشهيرة التي لا تهمل أسباب النزول، لكنها لا تجيز في الوقت ذاته الجمود عليها وتعطيل الآية في دائرتها. وابن باديس يصرّح بهذه القاعدة ويعمل بها، بصفتها من العناصر المنهجية المهمّة التي تدخل في تأسيس منهجه التفسيري(94).

10ـ الظاهر والباطن: شغلت مسألة الظاهر والباطن حيزاً كبيراً في الفكر القرآني، خاصّة مع وفرة النصوص التي تدلّ عليها عند الفريقين. ففي الحديث النبوي الشريف: «إنَّ للقرآن ظهراً وبطناً، وحداً ومطلعاً»(95)، كما عن الإمام موسى الكاظم: «إنَّ القرآن له ظهر وبطن»(96). إنّما وقع الاختلاف في تحديد المقصود من الظهور والبطون، وفي نظريات التفسير وطبيعة العلاقة بينهما.

ولا نزعم أنَّ ابن باديس قد خصّص لمقولة الظاهر والباطن بحثاً مستفيضاً، لكن نستوحي من بعض إشاراته إيمانه عامّة بالظاهر والباطن، وأنَّ الأول يدلّ على الثاني ومن ثمَّ عدم الجمود على الظاهر وحده، أو الاكتفاء بالباطن دون الظاهر، كما في قوله: «الظواهر دلائل البواطن»(97) وكم كان بودنا لو توفّر الشيخ على تفصيل الكلام في هذه المقولة، خاصّة وأنه تطرق بتفصيل لتفسير العرفاء.

11ـ المنحى العرفاني: يشتهر عن العرفاء أخذهم بالتفسير الباطني. إنَّ هذه المقولة بحاجة إلى المزيد من التدقيق لتتضح حدودها ومكوّناتها ومراميها، ويتبيّن المقصود من المنحى الباطني عند هؤلاء، وهل يعني إهمال الظاهر وإلغاءه كما يظن ذلك كثيرون عن خطأ، أم معناها أنَّ هناك رتبة من المعاني تأتي وراء الظاهر وما بعده، يُسلك الطريق إليها عن طريق الظاهر نفسه ومن خلاله، لا بإلغائه وإهماله كما يخطئ الكثيرون في تصوّرهم.

مع أنَّ ابن باديس يهاجم المنحى الصوفي الذي يميل إلى تعطيل الفعل الإنساني اجتماعياً، إلا أنّه لا يخفي إعجابه بالمعاني القرآنية التي يبرزها العرفاء والصوفية من أهل العلم، ويستشهد ببعضها كما فعل مثلاً عند تفسير قوله سبحانه: ﴿ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ﴾(98) عندما أخذ نصاً من القشيري(99) (ت: 465ه‍) حيال الآية ناعتاً إياه بالإمام وأنه شيخ الصوفية في زمانه، وعقّب عليه بشهادة ذات دلالة كبيرة، قال فيها: «مثل هذه المعاني الدقيقة القرآنية الجليلة النفيسة من مثل هذا الإمام الجليل، من أجلّ علوم القرآن وذخائره»(100).

ثمَّ عاد ليضع شروطاً ثلاثة يتمّ على ضوئها التعامل مع تفاسير الصوفية والعرفاء قبولاً أو رفضاً، هي:

1ـ أن يكون ما يذكرونه «معاني صحيحة في نفسها».

2ـ أن تكون المعاني «مأخوذة من التركيب القرآني أخذاً عربياً صحيحاً».

3ـ أن يكون للمعاني «ما يشهد لها من أدلة الشرع».

يضيف موضّحاً: «كلّ ما استجمع هذه الشروط الثلاثة فهو صحيح مقبول. أمّا ما لم تتوفّر فيه الشروط المذكورة وخصوصاً الأول والثاني، فهو الذي لا يجوز في تفسير كلام الله. وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية، كتفسير ابن عبد الرحمن السلمي من المتقدّمين(101)، والتفسير المنسوب لابن عربي(102) من المتأخّرين»(103).

12ـ الحروف المقطّعة: في القرآن الكريم تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة، اختلف إزاءها الفكر القرآني والبحث المنهجي في علوم القرآن إلى تيارين عريضين، يذهب الأول إلى أنَّ هذه الفواتح هي من العلم المستور الذي استأثر به الله، أو هي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا هو سبحانه وما إلى ذلك. أمّا التيار الثاني، فقد ذهب إلى أنَّ المراد منها معلوم، ثمَّ اختلفوا في بيانه إلى ما يزيد على عشرين قولاً.

من حسن الحظ أنَّ لابن باديس بحثاً تفصيلياً حيال الفواتح، يذكر في مطلعه أنَّ للعلماء حيالها طريقين، هما اللذان أشرنا إليهما آنفاً(104). ثمَّ يستعرض الطريق الأول الذي يفيد بأنَّ الفواتح هي «لفظ له معنى يعلمه الله، فهو المتشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنّما يؤمنون به، ويردّون علمه إلى الله»(105)، ليثير حياله التساؤل المعروف: لقد أُنزل القرآن للبيان، ولا بيان إلا بالإفهام، فكيف يكون في القرآن لفظ لا يُفهم معناه؟ بعد أن يعالج السؤال، ينتقل إلى بيان فلسفة هذه الفواتح التي تتلخّص في الحدّ من غلو الإعجاب بالعقل عند الإنسان واستغنائه به عما سواه. فالله سبحانه- وهب الإنسان العقل، بيد أنَّ هذه الهبة محفوفة «بخطر الإعجاب بذلك العقل، حتّى يحسب أنّه محيط بالحقائق كلّها، وأنَّ مدركاتها يقينيات بأسرها»(106). لذلك وُضعت كوابح عدّة للحؤول دون جموح العقل، عبر ما يخفى على الإنسان وما يعجز عن إدراكه من حقائق نفسه، والحقائق الوجودية والكونية المحيطة به، والحقائق المعرفية في القرآن والتشريع، لطفاً به: «من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حداً يقف عنده وينتهي إليه، ليسلم من هذا الخطر؛ خطر الإعجاب بالعقل»(107).

من هذه الكوابح على صعيد المعرفة القرآنية، هي فواتح السور التي تمثّل دليلاً حسياً مباشراً على أنَّ للعقل الإنساني حدوده التي لا يتخطاها. مع أنَّ ابن باديس يسجّل في الطريق الثاني، ما نصّه: «ذهبت جماعة من أهل العلم من السلف والخلف، إلى أنَّ هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها»(108)، ثمَّ يستعرض بعض أبرز الآراء والنظريات التي قيلت في بيان المراد منها، إلا أنَّ الواضح أنّه يميل إلى الاتجاه الأول القائل بأنَّ علمها عند الله وحده، وإنها آية على أنَّ للإدراك العقلي مجاله الذي لا يتخطاه حتّى في نطاق المعرفة.

13ـ النعرة العلمية: تزامنت مع تفسير ابن باديس تجربتان في التفسير شهدتا إغراقاً كبيراً بالنعرة العلمية، المحمولة على صارية التقدم العلمي الأوروبي ودهشة المسلمين بهذا التقدم، أحدهما تجربة السيّد أحمد خان (1817 ـ 1898م)، والثانية لطنطاوي جوهري (1287 ـ 1358ه‍)، ممّا يكشف عن طبيعة المناخات التي كانت تهيمن على عقلية المسلمين يوم ذاك، وما تحمله من انبهار بواقع التقدم الأوروبي، لكن مع ذلك لم يجد هذا الانبهار صدىً كبيراً لدى ابن باديس، ولم يأخذ