صفحة البدايةالتعريف بالموقع هيئة التحرير  | البحثراسلنا

اجعل موقع ابن باديس صفحة الاستقبال لديك 

 

" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

 

عبد الحميد بن باديس وأزمة التخلف الحضاري في الجزائر

بقلم : الدكتور محمد الأمين بلغيث - جامعة الجزائر

الجزائر بالنسبة للغرب الصليبي البوابة الحديدية التي تحطمت على أسوارها الأطماع الأسبانية والفرنسية، منذ دخولها ضمن دائرة الحضارة العربية الإسلامية، وقد نبه "الداي شعبان"(1) في العصر الحديث على مكانة الجزائر الدولية، في مواجهة أطماع الغرب، ومخاطر سقوط الجزائر المحروسة الذي قد ينجر عنه بداية تداعي، وحدة المسلمين في مواجهة الهجمة الصليبية الحديثة.

وقد ظهر هذا الحس التاريخي للمكانة "الجيوسياسية للجزائر"  كحقيقة ثابتة وهي أن حملة فرنسا على الجزائر قد شكلت رأس الحربة لتمزيق وحدة المسلمين في إطار الغارة الشاملة للصليبيين الجدد على العالم الإسلامي(2).

إن أزمة التخلف التي تطرحها هذه الدراسة، وهي الإشكالية التي لا تزال تطرح إلى يومنا هذا، حاولت ربط مفهومها وتجلّياتها، من خلال شخصية فذة في تاريخ الجزائر المعاصرة؛ولا أعتقد أن الأدبيات السياسية والثقافية بعيدة عن البحث؛وجدير بنا ونحن نطرح هذا الموضوع- والإجابة عن هذا الاستفهام المطروح يقودنا إلى أن تقترب بلطف من هذه الشخصية العلمية والسياسية التي لعبت دورا كبيرا في إحياء أمة من الجهل والتهميش وأعادت لها روح المبادرة والتحدي لاستكمال ما بناه من جهود.

إنه الإمام المصلح والرجل القرآني عبد الحميد بن باديس، الذي وصفته التقارير الفرنسية حينما انتقل إلى جوار ربه، قالت: »إن الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المصلحين الجزائريين الذي كانت صحته متدهورة وسيئة للغاية منذ شهور قد توفي يوم 16 أفريل 1940 في قسنطينة، وشيعت جنازته في اليوم التالي، في وسط جموع غفيرة، تعد بعشرات الآلاف من سكان المدينة ، ومن الذين جاءوا من مختلف أنحاء القطر« (3).

ولعل ما سجلته التقارير الفرنسية بمناسبة وفاته كان أصدق تصوير لتعلق المسلمين الجزائريين بشخصيته الفذة حتى أولئك الذين كانوا موظفين لدى الإدارة.

وكانت وفاة ابن باديس كما يقول المرحوم مالك بن نبي: قد فوتت على الإدارة الاستعمارية المنال من الحركة الإصلاحية، لأن وفاته كانت حياة لأفكاره، وذلك أن موت هذا الزعيم قد حرر نهائيا الفكرة الإصلاحية التي كانت "فكرة متجسدة " من خلال صاحبها، فأصبحت بموته» فكرة مجردة لا يجد الاستعمار إليها سبيلا، حيث بقيت وفية لأفكار زعيمها الأول ومنهجيته في العمل«(4).

هذا الرجل القرآني، الذي أقلق الاستعمار وأذنابه، خلال مسيرته الإصلاحية في الجزائر طوال ربع قرن من الزمن، هو الذي أيقظ الشعور بالمأساة التي حلت بالمجتمع في ضمير المسلم الجزائري، فقد كان رائدا حينما بدأ العمل لإعادة تنظيم الجزائر، فتقوم بأداء واجبها الشرعي والحضاري كبقية شعوب العالم الإسلامي.

فكيف أقام الحركة الإصلاحية الناشئة، وبماذا تميز مفهوم التجديد والتغيير في عصره؟ ثم بماذا هيأ الجزائريين للمشاركة في الفعل الإصلاحي، وكيف حسم  علاقتهم مع الظاهرة الاستعمارية؟

إن الصراع الذي أدى إلى هذا الوضع، الذي ظهرت فيه الحركة الإصلاحية، هي مرحلة القطيعة التي أحدثها الاستعمار، من خلال تشويه النخب القائمة، حيث أزاح الزعامات التقليدية الوسيطة، وأنهى جميع الرموز التي يمكن أن تذكر بالسيادة الجزائرية، وكنتيجة لهذا لا بد أن تأتي المبادرة لدفع الاستعمار من الأطراف (الأوراس، الشمال القسنطيني) لا من المركز، وأن تكون الشعارات المرفوعة وقتها إسلامية المحتوى، ما دامت تنبع من الأوساط التي حافظت على هويتها العربية الإسلامية، ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تجد الاتجاهات الإيديولوجية التي وجدت رواجا في هذه الظرفية التاريخية، هي التي تدافع عن الهوية العربية الإسلامية من ناحية، وعن الحس الشعبي من ناحية أخرى.

 وقد أجمع الباحثون على أن الحركة الوطنية، قد نمت منذ ظهورها في الأوساط المهجرية، مع تكوين "نجم شمال إفريقيا"، وفي الأوساط الإصلاحية للعلماء  كـ"حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس"(5).

ومعالجة الحركة الإصلاحية تحت لواء الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس لا تختلف في طرحها عن أزمة العالم الإسلامي في القرن العشرين، ولا أبالغ إن قلت إن الحس المدرك لعمق الأزمة، قد نضج عند رجال الإصلاح، على تفاوت ثقافتهم ووعيهم السياسي، وشمولية رؤيتهم للأشياء من خلال "حرارة المأساة التي كانت تعيش فيها الجزائر، مأساة الاستعمار والاستعلاء والسلب واستخدام أرفع النظريات العلمية لأحط الغايات وأخس الأهداف"(6).

ولهذه الأسباب جميعها، أصبحت الحركة الإصلاحية، محل اهتمام وعناية كبيرين من قبل المؤرخين ورجال القانون، وعلماء الاجتماع، وأصحاب الدراسات الإستراتيجية، ورجال المخابرات، والفلاسفة وأخص بالذكر ، دول الغرب الذين هزتهم الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي بل في عقر ديارهم(7).

 إن الإمام عبد الحميد بن باديس ، وهو يجيب على إشكالية التخلف الحضاري في الجزائر، والعالم الإسلامي، يطرح مسألة من أخطر المسائل التي عاشها جيله بكل ما تحمله هذه المسألة من خطر، إنها ضخامة وشمولية الغزو الأوروبي المنظم لدار الإسلام وكان قبله السياسي والمفكر خير الدين التونسي  (8) قد حذر من خطورة هذا الغزو قائلا: »إن التمدن الأوروبي تدفق سيله على الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار«(9).

وكان أول من وقعت عليه مسؤولية مواجهة الاقتحام الأوروبي، هي السلطة العثمانية وأجهزتها، لقد حدث هذا في مصر، والجزائر، ولكن سرعان ما انهارت مؤسسات السلطة المركزية بمختلف أشكالها العسكرية والشعبية »إذ أن عوامل الاختراق التدريجي، والضعف المتزايد، كانت قد فعلت فعلها«(10)، وهكذا انهارت الدولة المركزية في الجزائر، ممثلة في سقوط مدينة الجزائر، وانتهاء المقاومة المنظمة من قبل الأمير عبد القادر، وأحمد باي قسنطينة، وكل الثورات الشعبية في القرن التاسع عشر، ولكن رغم هذا الفشل، ورغم البطولات والتضحيات، فإن المقاومة العسكرية، في كامل تراب القطر الجزائري، قد أدت دورا مركزيا، شكلت سدا منيعا أمام محاولات النسف الفرنسي لتدمير الشعب الجزائري، وطمس شخصيته وهويـته وانتمائه، ولم تتحول الجزائر ومدنيتها إلى تراث غابر كما وقع في أمريكا في العصر الحديث مع حضارات محلية، ذات تقاليد شعبية متطورة في تضامنها وقيمها أمام الغزو الشامل للرجل الأبيض، الذي مثلته جحافل الغزاة الأسبان والإنجليز والفرنسيين.

وفي ظل سياسة الإبادة الجماعية للجزائريين(11)وحركة التنفير من الإسلام التي قام بها "لا فيجري" والآباء البيض وتجفيف الينابيع،وقطع صلة الجزائر بعمقها المشرقي عرفت الجزائر في العشرينيات من القرن العشرين؛ حركة إصلاحية مبشرة بميلاد فجر جديد؛ ونهضة علمية وأدبية؛ ومرحلة جديدة لإعادة تشكيل العقل الإسلامي في الجزائر وتحريك ضمائر الناس؛ وتحمل مسؤولية البناء؛ ومواجهة سياسة المسخ التي كادت أن تأتي على ما بقي من هذا المجتمع المنهك القوى(12)؛ وكانت مبادئ الإسلام قوام هذه الحركة المباركة لإنقاذ البلاد والعباد من مخالب الجهل ومظاهر الشرك والاستبداد الاستعماري(13).

إن ميراث الهجوم الاستعماري الشامل على الجزائر قد ترك -في العقد الثاني من القرن العشرين- أوضاعا تثير الأسى، فبعد ما كانت الجزائر في بداية الاحتلال، تتجاوز نسبة المتعلمين فيها  40%؛ من السكان(14)؛ وهذا بشهادة الجنرال الفرنسي دوماس (DAUMAS)؛ وبعد قرن من الاحتلال أصبح الوضع الثقافي مترديا؛حيث وصلت الأمية في أوساط الشعب الجزائري إلى 90% (...) ويرجع الدارسون السبب في كل هذا إلى تعسف السلطات الاستعمارية تجاه الأطر التعليمية الجزائرية، التي كانت موجودة آنذاك، حيث عطلت الزوايا عن أداء مهامها التعليمية والخيرية؛ وأغلقت الكتاتيب القرآنية والمدارس بحد القانون الاستعماري الجائر(15) لأن النظام الاستعماري، منبع الجهالة والظلامية على حد تعبير عَمَّار أوزقان في كتابه(16) الجهاد الأفضل.

 هذا الميراث النكد لشجرة الزقوم، نقطة مهمة على طريق فهم عبد الحميد بن باديس لأزمة الإنسان الجزائري على المستوى الفكري والحضاري، وإدماجه أو إلحاقه بدائرة التأثير الاستعماري، فإن النقطة الثانية لفهم الظاهرة الاستعمارية، هي ما قام به الساسة الاستعماريون، من خلال سياسة دينية صليبية حاقدة لقلع الإسلام من صدور الجزائريين، بعد إبادة وتشريد أو سجن العلماء والمثقفين الجزائريين(17).

وبهذا الصدد يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: »إننا لن ننتصر على الجزائـريين، ما داموا يقرأون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن  من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم«(18)، وبهذا يهمش الجزائري عن أداء دوره الرسالي، ويفقد صلته بجذوره ووطنه، كما يفقد إحساسه بحركة التاريخ المتصاعدة، لأن هذا الإنسان الذي افتقد مفهوم الزمن التاريخي لحياة الأمم، هو الغاية القصوى التي يسعى للوصول إليها كبار الساسة في فرنسا وحثالة الغرب من المعمرين بالجزائر، وخلاصة ما تسعى إليه هذه النظرة المنحطة للإنسان الجزائري: هو إفراغ الجزائري من روحه وإدخاله إلى متاحف الحيوانات المنقرضة في أوروبا، كما وصف أبو الحسن الندوي(19) هذه الحالة التي يرغب الغرب في الوصول إليها مع شعوب العالم الإسلامي.

والقضية الثالثة التي عاصرها الإمام عبد الحميد بن باديس، وكان لها أكبر الأثر في نفسه، وفي منهجه الدعوي، هي معاصرته لفشل ثورة الأوراس عام 1916م والدمار الشامل الذي تركته الحرب العالمية الأولى، والتي كان أبناء الجزائر الوقود السهل والحزام الذي يحمي فرنسا الاستعمارية، وكانت النخبة الجزائرية، جد متناقضة في تعاملها مع قانون التجنيد الإجباري، بين المشاركة والهجرة أو الثورة وقد أدى هذا الموقف إلى إحداث شرخ فضيع في الذهنية الجزائرية (20).

الخيانات الروحية، وخيانة الأشراف(21)

القضية الرابعة والحساسة التي شكلت بقية الصورة في ذهن الإمام عبد الحميد بن باديس هي دور الطابور الخامس الذي مثلته -في العالم الإسلامي- بعض الطرق الصوفية وبعض العائلات المنسوبة إلى الشرف والعلم وفي هذا المقام يقول شكيب أرسلان(22): "إنه من الأسباب الموضوعية التي كانت من وراء بقاء دوام الاستعمار الغربي الصليبي، في ديار المسلمين، يعود إلى الخيانات الروحية، حيث كانت الطرق الصوفية العين الساهرة على حماية مصالح الاستعمار بما يلقاه شيوخ الطرق الصوفية من تبجيل وهذا بعد شراء ذممهم بدراهم بخسة" ونكتفي في هذا المقام أن نبرز هذه القضية التي عاصرها الإمام ابن باديس من خلال نموذجين:

الأول : يتمثل في الخيانة الروحية لبعض الطرق الصوفية في الجزائر والمغرب الأقصى، وهذا ما تؤكده وثائق جديدة لم تنشر، وهي شهادة ثابتة، وتتمثل في خيانة "شرفاء وزان" بالمغرب الأقصى، وهي شهادة في ذمة التاريخ، إذ لعب هؤلاء الأشراف دور الطابور الخامس في الجزائر، وهذا من خلال أعوانهم ومريديهم، منذ نهاية القرن التاسع عشر.

تسجل هذه الوثائق تبعية شرفاء وزان وعمالتهم للاستعمار الفرنسي الصليبي منذ الساعات الأولى للاحتلال وتتطور درجة العمالة مع حاكم الجزائر العام "جيل كامبو"، نظرا لما كان لهذه الطريقة الصوفية -التي يشرف عليها شرفاء وزان- من تأثير على أتباعها في كامل القطر الجزائري وبصورة خاصة بالوسط والشمال القسنطيني، وقارئ هذه الوثائق المدعمة للبحث يحس بخيانة النخبة الروحية الفاسدة، وتعاملها مع فرنسا الاستعمارية، وأسوأ ما تركته هذه النخبة التي فرضها الاستعمار على الشعب، هو تزييفها وتحريفها للعقيدة، ومسخها للإنسان المسلم وتقديمه هدية بسيطة إلى الغرب الأوروبي، كما تهدى الحيوانات ا لنادرة إلى الرؤساء والسفراء.

وأما خيانات الأشراف المحليين فيمثلهم في عصر الإمام ابن باديس "أولاد ناصر(24)، الذين يمثلون واحدة من أربعة عائلات شريفة بالجنوب القسنطيني، وينتمي هؤلاء إلى جدهم الأعلى سي مبارك بن قاسم بن حاج الذي ينسب إلى الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه.وأما جدهم الثاني فهو سيدي ناجي، والشخصية المحورية التي غيرت مسار هذه العائلة العالمة الشريفة والذي يصدق فيه قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}، هو القائد الأزهر الناصري الذي تحدى الجزائريين الرافضين لمبدأ التجنيد الإجباري، وخان ثوار الأوراس عام 1916م، وكوّن أول فرقة عسكرية: وهم: "قوم خنشلة"، الذين شاركوا مع القوات الفرنسية في قتال إخوانهم الجزائريين، والقضاء على قبيلة "أولاد ملول". ويُوصَفُ سي الأزهر الناصري بأكبر أصدقاء فرنسا في منطقة ششار، وبقية الأوراس كما جاء في التقارير الفرنسية(25).

هؤلاء  هم النماذج المخزية لتاريخ "المرابطين" والأشراف الذين عاصرهم الإمام عبد الحميد بن باديس وقد تحددت أرضيته في معالجة أزمة التخلف الحضاري من خلال هذه الدعائم والقضايا التي شكلت مبدأ سعيه المحمود لترميم الذاكرة الجزائرية في مواجهة آلة المسخ والتشويه التي أحدثتها معاول الهدم الفرنسية.

وأما القضية الخامسة، التي هي قوام فهم الإمام لأزمة المجتمع الجزائري المسلم فتتمثل في الخيانات الفكرية والسياسية، وقد مثلتهم شخصيات دينية وسياسية ربطت مصيرها بالإدارة الفرنسية أو شخصيات فكرية عميلة ساعدت على تزييف الوعي عند الجزائريين.

وأما العامل السادس الذي ساعد على تكوين الرؤيا الشاملة للعملية الإصلاحية والمنهج التغييري عند الإمام ابن باديس، فهي القوانين الجائرة للإدارة الاستعمارية، هذه القواعد التي اختصرتها كإجابات، على تساؤلات هذه البحث،والتي مفادها: كيف استوعب الإمام أزمة التخلف في العالم الإسلامي، وفي الجزائر بصورة أخص؟ ومن هذه الإشكالية المطروحة ستكون إجابتنا على هذا الفهم الذي شكل خطوات التغيير من خلال رحلة طويلة مع هذه النماذج التي كونت الإكراهات التي وقفت في وجه الإقلاع الحضاري للحركة الإصلاحية الجزائرية.

لا يمكن وفي هذه الوضعية المريضة بكل هذه الإحباطات والمعوقات أن تقوم حركة التغيير إلا إذا نهجت منهج الأنبياء والمرسلين لإصلاح ما أفسدته الذمم وأيدي الناس، وعقول المستبدين والمفسدين في الأرض. وفي هذا المقام بالذات يعد ابن باديس نموذجا سليما لمحاربة الاستعمار.

لقد فهم بعمق أبعاد القضية، وأعطى للموضوع إطاره المستقيم فكانت مواقفه وتحركاته ثابتة، هادفة موجهة إلى صميم المشكل مما أدى به إلى صراع طويل انتهى به إلى الاستشهاد(27)، بعد أن حقق الجزء الأعظم من مسيرة العمل الإصلاحي بالوسيلة والأسلوب القويم بعيدا عن اختلافات السياسيين، وعقم خطبهم الجوفاء، وتضييعهم للوقت الثمين في ما لا يجدي نفعا للأمة، وتبديد الجهود ومنطلقات خاطئة ومع ذلك قال فيهم عبد الحميد بن باديس:" يا هؤلاء... إن الجمعية ليست عاجزة عن مقاومتكم وإظهار خطتكم وكشف باطلكم، و لكنها تعلم ما تحتاج إليه الأمة اليوم، من اجتماع الكلمة، وعدم الفرقة وتوحيد الصفوف، فلهذا تركتكم راجية لكم أن تدركوا حقيقة الموقف فتعملوا بما يقتضيه" (28).

وهنا تقتضي مكانة هذه الإكراهات -التي واجهها ابن باديس في بداية عمله الإصلاحي- أن نحدد مفهومه لتعريف ظاهرة التخلف الحضاري وتحرير الأوطان من الاستعمار الغربي الصليبي المتعصب وأن نحدد المناهج المطروحة وهي:

- طريق المواجهة المسلحة الشعبية، وقد فشلت كلها في تحرير الإنسان والبلاد منذ 1832م إلى غاية ثورة الأوراس 1916م.

- طريق النضال السياسي والعمل الحزبي والمشاركة في المؤسسات المحلية (النظام البرلماني والمشاركة في تسيير البلديات والمجالس المالية).

- طريق البناء الدعوي أو بناء القاعدة الصلبة(29).

وهذه الأساليب والمناهج هي التي عرفت في مسرح الأحداث واليوميات الجزائرية، فأي السبل اتخذها الإمام عبد الحميد بن باديس لنفسه؟ إنه السبيل الذي رسمه الإمام لدعوته الإصلاحية يتجلى في اختياره لسبيل الإصلاح التربوي، وبناء الإنسان الجزائري الذي ينتمي إلى أمة معوانة على الخير منطوية على استعدادات الكمال وأنها -أي الأمة الجزائرية- ذات نسب عريق في المحامد والفضائل(30).

وقد ساعد ابن باديس في عمله سعة علمه ومعاصرته لجيل رسالي أمثال جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا محمد الطاهر بن عاشور، حمدان لونيسي محمد النخلي، شكيب أرسلان، الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي، محمد البشير الإبراهيمي الطيب العقبى، الشيخ مبارك الميلي، وغير هؤلاء القمم التي صاغها القرآن صياغة نادرة.

والقرآن الكريم هو الذي صاغ نفس الإمام عبد الحميد بن باديس وهز كيانه واستولى على قلبه فاستوحاه في منهجه طوال حياته وترسم خطاه في دعوته وصاحبه طوال ربع قرن من الزمن في سبيل الكفاح لبناء الأمة وإرجاعها إلى الحقيقة القرآنية منبع الهداية الأخلاقية والنهوض الحضاري، فكان همه أن يكوّن رجالا قرآنيين يوجهون التاريخ ويغيرون الأمة: »فإننا -والحمد لله- نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم،ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم«. هكذا عبر الإمام ابن باديس عن منهجه التربوي والإصلاحي(31).

ولما كانت غاية الإمام ابن باديس إصلاح المجتمع، بادر إلى التربية والتعليم و"ترميم"ما أفسدته يد الشيطان الصليبي، إذ أن فرنسا ما إن استقرت بالجزائر حتى مدت يدها إلى التعليم(32) تشوهه وتستأصله وتتخذه قاعدة ثانية في التدمير والتخريب.

لأنها تعلم أن التعليم هو الذي يصنع العقول المفكرة الرافضة ويعطي للشخصية عمقا واعيا وبالتالي يمثل حصنا يجعل كل محاولات الفرنسة والتغريب والذوبان عبثا ومجهودا ضائعا(33).ولقد وضع ابن باديس خطته على أساس مبتكر يتلخص في أن يحاصر فرنسا في رفق وعزم صارم في الوقت الذي تظن أنها تحاصر الجزائر، ولم تتفطن فرنسا إلى مهارة هذه الخطة إلا بعد فوات الوقت، فوجدت نفسها محاصرة بعد أن استمال إليه  أعوانها طائفة بعد أخرى وكان من الضروري أن يفلح في تنفيذ خطته بعيدة المدى، وهي القيام بانقلاب جذري يرتكز في المقام الأول والأخير على إعداد جيل صالح ينهض نهضة إسلامية، بحيث يأخذ من عظمة الماضي، ومن يقظة الحاضر ما يعصمه من الزلل والانحراف، ويسير في طريق المستقبل المشرّف(34) الذي يقوم منهجه على العودة إلى منهج السلف، وهو بذلك قد كشف عن هذه القوة الهائلة التي حققت يقظة الجزائر ونهضتها المعاصرة(35).

والأستاذ الإمام كما يصفه رفيقه في الدرب : الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بقوله: "إنه هو الذي وضع القانون الأساسي (يقصد جمعية العلماء)على قواعد من العلم والدين لا تثير شكا ولا تخيف، وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالم المسلم، وتعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة، فخيبنا ظنها والحمد لله"(35).

فقد كان هذا المسلك العملي في بناء الأمة سببا في تحقيق هذا النجاح البارز، وذلك لبعده عن المهاترات الحزبية التي كانت تدور في فلك حدده الاستعمار سلفا كما حدثنا عنها مؤرخ الحضارة الأستاذ: مالك بن نبي في كتابه الرائد: "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة": "فأنشأت المدارس في كل بقعة من بقاع الجزائر وأرسلت الوعاظ يجوبون المدن والقرى وكانوا يعرفون جيدا ماذا يصنعون إنهم كانوا بصدد القيام بالتعبئة الدينية والقومية الشاملة"(36).

وكان هذا العمل البذرة الأولى التي اتفق ابن باديس ورفيقه الإبراهيمي على غرسها في الجزائر ،يقول الإبراهيمي:»كانت الطريقة التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة المنورة (عام 1913م) في تربية النشء هي:ألا نتوسع في العلم وإنما نربيه على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الحديث الذي أعددناه من تلامذتنا«(37).

إن ابن باديس الذي استوعب أزمة العصر، وتفاعل مع قضايا الجزائر بإيجابية ظاهرة كان مشغولا بتربية الرجال(38) أولا وابتعد عن الجدل الفلسفي العقيم الذي يشوش الأفكار ويثير الخصومات بين العلماء والأتباع، فقد كان ذكيا مستوعبا لآثار أمته وتاريخها الثقافي والعلمي وآثار الرجال والعلماء على مرّ العصور، فأدرك أن أزمة تخلف المسلمين الحضارية تعود إلى تركها للعلم الصحيح، وابتعادها عن الإسلام بفعل الاستعمار والطرقية(39) ولهذا فإن معادلة العلم والحضارة لا تساوي عند الإمام معادلة الجهل والسقوط في وحل الجاهلية والتبعية الفاسدة في العادات والأخلاق والقيم.

ولهذا كان ابن باديس يفكر تفكيرا صحيحا، مؤسسا على أصل التنبه واليقظة والإدراك(40) من المؤامرة التي يديرها الاستعمار وأذنابه بإحكام، ولكن المؤامرة الاستعمارية والطرقية، انتصرت فيها الحركة الإصلاحية في الجزائر بشهادة الأستاذ مالك بن نبي الذي عالج قضايا  الاستعمار وأدواره في العالم الإسلامي بحكمة عالية(41)، وقد نبه (محمد النخلي)(42) ابن باديس إلى السبيل الصحيح لفهم القرآن والإسلام، فأدرك هذه الحقائق، والتي يقول فيها مالك بن نبي: »... إلى جانب هذا كله تقف عيوب ذات طابع جماعي، كالجدل والحرفية والتشبث بأذيال الماضي وبتحليق في الخيال، وهي بالطبع ثقافة ما بعد الموحدين (...) فأية مقارنة لتلك التقاليد بالإسلام تنقي الثقافة الإسلامية من تلك المقدسات الوهمية التي تسمى (تقاليد)،ولقد قام بتلك المهمة على خير وجه الشيخ (عبدالحميد بن باديس)، فاستطاع أن يخلص الجزائر من تلك التقاليد الزائفة التي كانت تتجسد في الطريقة (المرابطية)؛ولكن فردا واحدا يعجز عن القيام بتلك المهمة وحده(43).

وهذه اللفتة الأخيرة من المفكر مالك بن نبي هي التي أوحت إلى العلماء بالعمل الجماعي الهادف فأسسوا "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"(44) وإن كانت فكرة هذه المؤسسة الفاعلة تعود كما يشهد بذلك الإبراهيمي إلى أيام اللقاء التاريخي بين المصلحَين (ابن باديس والإبراهيمي)، بالمدينة المنورة، فكانت الثورة الجزائرية نتيجة حتمية لحركة الأفكار التي بدأت في عهد الأمير عبد القادر، واستأنفها في بداية القرن الحالي، الأمير خالد و أحمد مصالي الحاج وعبد الحميد بن باديس ومن حذا حذوهم (45).{والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج  إلا  نكدا}.والشيخ عبد الحميد بن باديس الذي نشأ نشأة صالحة، فتكون في مسقط رأسه تكوينا جادا، في جو أسري محافظ على تقاليد العربية والإسلام.

وكأن العناية الإلهية التي وفرت له كل هذه الظروف، والإمكانيات كانت تعده لمهمة كبرى سيقوم بها في مستقبل قريب، وهي قيادة حركة التجديد الإسلامي في الجزائر والمغرب العربي، والعمل على بعث العروبة والإسلام في الجزائر(46).

ولما أدرك العلماء، وعلى رأسهم الإمام عبد الحميد بن باديس حاجة الأمة إلى المدارس والنوادي والصحف التي تعمل على تزكية النفوس ورفع الجهل عن العقول فقد هيأ الله لهم أهل الخير فأصلحوا شؤون الطلبة وأسسوا أزيد من 400 مدرسة مبثوثة في جميع أركان القطر الجزائري، تؤدي الرسالة بوفاء وصدق ووعي، هيأ حقيقة إلى تكوين جيش كبير كما عبر -الإبراهيمي- من المعلمين والوعاظ والصحفيين الذين كان لهم الفضل بعد الله عزّ وجل في إحياء وترميم ما هدم وأمات الاستعمار الفرنسي، ولقد كان ابن باديس وجمعه بصدد أمة بل إنسانية تعيش في محيط آسن خانق، ومهمة هذا  الجيل الرسالي نقل الأمة من محيط الفقر والجوع والفساد الأخلاقي والعقدي، إلى محيط الربانية، فأنشأوا لهذا الغرض كل الوسائل الممكنة(47)، من مساجد، ومدارس، وصحافة، ونواد ثقافية وكل ما تدعو إليه ضرورة الحياة الجديدة في مواجهة الصليبية الغربية، وما تحمل من بغض للإسلام والمسلمين في أرض الجزائر (دار الجهاد والاتحاد)(48) وتقدم التاريخ خطوة كبيرة في الثلاثينيات نحو جيل جديد من المصلحين، إنه الرعيل الثاني المتتلمذ على أفكار وصيحات الرواد، فيحدثنا المرحوم مالك بن نبي عن الفعل الإصلاحي الذي عاصره، هذا التيار الكهربائي الذي مس كل أطراف المجتمع، والذي نجح في بثه الشيخ عبد الحميد بن باديس بين الشعب الجزائري ولهذا بدأ الواقع الجزائري، وكأن: "شعاع الفجر قد بدأ ينساب بين نجوم الليل من قمة الجبل فلم يلبث أن محت آياته الظلمة من سماء الجزائر، فحوالي عام 1922 بدأت في الأرض "هيمنة" وحركة وكان ذلك إعلانا لنهار جديد، وبعثا لحياة جديدة، فكأن هذه الأصوات استمدت من صوت جمال الدين(49) قوتها الباعثة، بل كأنها صدى لصوته البعيد، لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب يتحرك... فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث شعب"(50).

والإشكالية الثانية في فهم الأزمة الحضارية التي عرفتها الجزائر في عصر الإمام ابن باديس تتمثل في احتكار السلطات الاستعمارية  "لصوت المسجد" وتأميم الأوقاف وتخريب المحاكم الشرعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو قيام الدوائر الإعلامية الغربية عموما والفرنسية خصوصا بنشر الإلحاد وتشويه صورة الإسلام النقية في نفوس أبناء المسلمين الجزائريين نظرا لقلة زادهم الشرعي والثقافي، ومن هؤلاء : لوي بيرتران - خصم الشرقيين الألد، وعدو المسلمين الأزرق، فهو ممن { قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} ومنهم من يدسّ السم في الدسم ويدعو شباب الجزائر إلى التفرنج والاندماج(51) وفي هذا الأمر نافح الإمام عن دينه ولغته أمام هجمات فرنسا الاستعمارية فيقول: "إن أعداء  الأمة الذين تمثلهم الجزائر الاستعمارية الكبرى هنا وهناك ويصدع بأمرهم كراسي متنوعة ما فتئوا يوالون ضرباتهم ويعيدون هجماتهم على الجمعية لأنهم يرون فيها حياة الأمة، ويشاهدون فيها السدّ الحصين دون ما يرغبون من ذوبان الأمة وانحلالها لإفنائها وابتلائها وتنقصها من أطرافها، فكل ما تجتازه الأمة اليوم، وما تعانيه وما تلاقيه، هو ما تجتازه الجمعية وتلاقيه على أبلغه وأشده، لأن الجمعية هي الأمة، والأمة هي الجمعية(52) فقد وعت الجمعية بأنه:"لا مندوحة من تربية جيل جديد تربية دينية صحيحة يتولى أمرها أناس يأخذون على أنفسهم عهدا أن لا يقرعوا بابا لسلطان ولا تضعضعهم الحدثان، ولا يثني عزمهم الوعيد ولا يغريهم الوعد بالمنصب ولا تلهيهم التجارة ولا المكسب بل يرون في  المتاعب وتحمل المكاره لنجاة الوطن من الاستعباد غاية المغنم وفي عكسه المغرم"(53).

إن الحركة الإصلاحية أدركت بعمق أن الغرب مناهض للشرق، والروح الصليبية لم تبرح كامنة في الصدور كما كانت قبل بطرس الناسك، ولم يزل التعصب كامنا في عناصرها، وهي تحاول بكل الوسائل القضاء على كل حركة يحولها المسلمون للإصلاح والنهضة(54).

وهكذا نجد إذن كيف تعددت مصادر الإصلاح في الفكر الجزائري الحديث(55) من مصادر داخلية كالرد على الطرقية وسلطاتها الروحية المهددة للعقيدة الإسلامية الصحيحة والمهمشة للشعب من الفعالية لمواجهة واقعه البائس، إلى الرد على الصليبية الجديدة التي حملت معاول هدمها الإدارة الفرنسية في الجزائر ورموز مثقفيها وصحافتها، ثم إلى مصادر خارجية، كالتيار الجارف للثورة الإسلامية الذي قام به موقظ الشرق "جمال الدين الأفغاني"، ومدرسة الإصلاح المحلية، التي بنت القاعدة الأولى لحركة الإمام عبد الحميد بن باديس. والتي قام بإعدادها الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني، والشيخ عبد الحليم بن سماية ناقل آراء محمد عبده الإصلاحية، والشيخ رشيد رضا صاحب "المنار"،والأستاذ:محب الدين الخطيب، صاحب "الزهراء" و"الفتح المبين"، والحق أن الشيخ صالح بن مهنا، ذلك الشيخ الوقور كان طليعة المصلحين، غير أن الحكومة ا لساهرة على الهدوء عملت على إبعاده، وعاقبته بمصادرة مكتبته الثمينة، وفرقت أمثاله من مقلقي النوم العام كما يقول مالك بن نبي، ولقد كان الخطاب الإصلاحي عند الإمام عبد الحميد بن باديس جذريا تجاه الطرقية، حليفة الاستعمار والتخلف بما تركه رواد الزوايا المرابطين(55)، من شرك وفساد اجتماعي، وتحالف منكر ومكشوف مع عدو الإسلام والمسلمين، وفي هذا يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:"إن علماء الجمعية يعتبرون القضاء على الطرقية، هو قضاء على كل باطل وضلال، وأنه لا يتم، رقي الأمة الجزائرية، أو أي إصلاح في ميادين الحياة مع وجود هذه الطرق، وما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، وإفساد للعقول، وقتل للمواهب، والواقع أن محاربة الجمعية لشيوخ المرابطين، كانت ضرورة حتمية أوجبها الوضع المتدهور في البلاد، إذ أن الإصلاح الشامل يتطلب مسحا عاما لكل مظاهر الانحطاط والجمود الفكري(56). لهذا اعتبر العلماء المصلحون، الطرقية علة العلل في الفساد، ومنبع كل الشرور وتحريف العقيدة وإلحاد الناشئة، لذلك عمدت الجمعية إلى محاربة هذه الطرق المنحرفة من أوكد الواجبات الشرعية لأنها الاستعمار الثاني للإنسان الجزائري المسلم كما وصفها الإمام العلامة محمد البشير الإبراهيمي"(57).

ومن المثقفين السلفيين الذين كانوا حربا على الطرقية الأستاذ: الطيب العقبى المصلح الثائر، الذي هدم تصورات الطرقية واعتقاداتها الباطلة، وكان المؤرخ مبارك الميلي في "رسالة الشرك ومظاهره" يمثل بحق حجر الزاوية في تصور الجمعية، وآثار الإبراهيمي وابن باديس، والطيب العقبى ومبارك الميلي، وأحمد توفيق المدني، وحمزة بوكوشة، والعربي التبسي وأضرابهم تدل على الخطر الكبير الذي مثلته الطرقية على عقيدة وسلوك الجزائريين، ولهذا فإن أزمة التخلف الفكري والحضاري في فهم ابن باديس، تعتمد اعتمادا واضحا في فهم جدلية "الإسلام والعمل" و"التخلف والتقدم"، "الشرك وآثاره على الإنسان المسلم".

والجدير بالملاحظة أن هذه الظاهرة قد طوقت كل العالم الإسلامي، أفقدت المسلم روح المبادرة والإبداع وأصبحت الزوايا ملاذا للمجرمين فدنست شرف الأمة(58).

وانطلاقا من فهم روح التقدم من خلال رسالة الإسلام، واستيعاب الإمام عبد الحميد بن باديس لحقيقة الأزمة، فقد كان مثل سابقه الأفغاني من المنادين بحرارة بعدم الخوف من مظاهر التمدن الغربي(59).ودعا الشباب الجزائري المسلم أن يحثوا الخطى إلى الإمام لطلب العلم والمدنية لأن الإسلام قادر على صياغة هذه المدنية صياغة رائعة بما تقتضيه الضرورة ودعوة الإمام للشباب الجزائري أن يتمكنوا من العلم الذي كان أساس تقدم الغرب وما بلغه من مدنية وتطور(60)، وقد أجمع علماء الإسلام أن من أسباب أزمة المسلمين في العصر الحديث أيضا الاستبداد السياسي وغياب الشورى، وهو ما أشار إليه الإمام عبد الحميد بن باديس في دروسه وفي تصوره للحكم الإسلامي الأمثل، مما يدل على عمق الفهم وحتى وهو يعيش أزمة غياب الحكومة الإسلامية، فقد كان يوجه النقد اللاذع  للحكومة الفرنسية في الجزائر وانحرافها عن مبادئ العدل التي تتطلع إلى نشرها في عالم مستعمراتها المقهورة(61) ومما يدل على وعي الشيخ ابن باديس بصيرورة التاريخ وعمق فهمه، واستشرافه للمستقبل القريب فهمه العميق لمبادئ العدل والإحسان وعاقبة الظلم والقهر والاستعباد.

كما أن معالجته للظلم والظلمة وغش الحكومات لرعاياها، من المفردات السياسية التي لم تغب عن آثار الإمام وهو الداعية الرباني على طريق السلف الصالح العالم بمقومات الشخصية الإسلامية ورسالة العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن آثار ابن باديس الداعية إلى الإصلاح، تحدد بشكل دقيق مسؤولية فئات المجتمع مباشرة -إسلاميا واجتماعيا- عن انحطاط وتدهور المجتمع الإسلامي، كما تقدم التفسير القرآني لتخلف المسلمين المرتبط بقانون العقوبات الإلهي، الخاص بهذا المجتمع عندما ينحرف، والذي يختلف عن قانون عقوبة غير المسلمين وهذا التفسير الذي تؤيده وقائع التاريخ والتجربة وهو يتعارض مع نظريات "العلمانيين"الذين قضوا أكثر من نصف قرن في البحث عن أسباب ما يعانيه العرب والمسلمون من تخلف وانقسام وهوان دون أن يصلوا إلى نتيجة أو يهتدوا إلى علاج(62)، ومما أثار مخاوف علماء الغرب المنصفين أن المجتمع الإسلامي أصبح أمام خطر حقيقي، يتجلى في التحديات الجديدة؛ غير أن الإسلام وفقا للدراسات المنصفة أصبح بإمكانه أن يتكيف مع المعطيات الجديدة للحداثة والمعاصرة رغم ما يشوب هذه المصطلحات نفسها من ضلال وشكوك. غير أن ما فهمه ابن باديس حقا لإزالة هذه الوساوس والشكوك حول الإسلام، فقد اقتنع  بعمق خلافا لحالة الانبهار والذهول التي عرفتها شخصيات كبيرة مؤثرة في العالم الإسلامي، فقد أيقن الإمام أن مستقبل المسلمين يتعلق بمدى وفائهم لعقيدة التوحيد، وبقدرتهم على إعادة بناء عالمهم الروحي الأصيل وتجديد ثقافتهم الحقيقية، وعلى هذا الأساس عمل ابن باديس على بعث روح الإسلام عقيدة وسلوكا في أذهان وقلوب الجزائريين، فهو يعيش للإسلام كما حبب إليهم الوطن الجزائري الذي هو أمانة في أعناق كل المسلمين الجزائريين الذين يتميزون عن غيرهم من المعمرين وغلاة المستعمرين بمميزات وخصائص، وشخصية تختلف في أصولها وأعراقها، عما تتميز به الأمة الفرنسية و"حثالة" الغرب من المستوطنين الذين يعودون بأصولهم إلى السجناء والمجرمين والمشردين والمهمشين الأسبان والمالطيين الكورسيكيين والفرنسيين والألمان، وكل الذين لم يجدوا لهم موضع قدم في بلدانهم الأصلية، أو من لا وطن له في أوروبا وغيرها.

** الإمام عبد الحميد بن باديس والنخبة الفرانكفونية (شجرة الزقوم) **

إن النخبة الجزائرية المقصودة في هذه النقطة، أولئك الذين تمتعوا بحظ من التعليم في المدارس الفرنسية وشكلوا في مطلع الثلاثينيات ما يعرف في أدبيات التاريخ الجزائري المعاصر بالشبان الجزائريين وغالبيتهم العظمى من الطلبة الفرنكفونيين الاندماجيين وهم فئة هجينة إذ لا يمكن اعتبارهم في آخر المطاف لا جزائريين بالمفهوم الشامل، ولا فرنسيين لذا قال الحاكم العام الفرنسي ناجيلان (NAEGELEN) عام 1949: "إن مستقبل الجزائر المسلمة الفرنسية يحضر الآن في المدارس الفرنسية برغم الأنبياء التعساء"(63).

والمقصود بالأنبياء التعساء هنا: هم رواد الحركة الإصلاحية والاستقلالية في الجزائر رغم ما يشوب النخبة المثقفة في الحركة الاستقلالية من ازدواجية بائسة في ترجمة جدلية الصراع الحضاري في الجزائر.

وقد تعددت مواقف النخبة منذ مطلع القرن العشرين من تطلع إلى الثورة على السياسة الكولونيالية ممثلة في شخصية خوالدية صالح بن عمار (64) إلى دعوة حارة إلى نشر التعليم بين كل الجزائريين ممثلة في الشخصية المخلصة: امحمد بن رحال(65) إلى حركة الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر(66) الذي بدأ إصلاحيا وانتهى استقلاليا ثوريا. كما تذهب إلى ذلك الوثائق المكتشفة والمدروسة من خلال مطالبه إلى مؤتمر الصلح، إلى شخصية برجوازية ذات تناقضات كبيرة في مسارها السياسي ممثلة في شخصية فرحات عباس(67). ولكن على الرغم من تفاوت تصورات هذه الرموز ومواقف عبد الحميدبن باديس من تحركاتها فقد كانت لابن باديس مواقف واضحة من فرحات عباس الذي يعتبر رمزا  للنخبة الفرنكفونية التي دافعت عن ثقافتها الجديدة المكتسبة وهو كما عبر العلامة عبد الرحمن بن خلدون عن هؤلاء بمقولته الشهيرة "ولع المغلوب باتباع الغالب أبدا"حتى دفعته المسيرة التاريخية إلى الالتحاق بالثورة بعد أن راهن على مبادئ الثورة الفرنسية إلى آخر المطاف.

وعلى العموم فإن ابن باديس كان علما من أعلام النخبة الإصلاحية العاملة على تحقيق مصير الجزائر من خلال إعادة تشكيل شخصيتها العربية الإسلامية، وكلما انحرف واحد من المحسوبين على مجتمعنا ذكره بالتي هي أحسن بأن الجزائر أمة عربية اللسان إسلامية العقيدة مستقلة في كل سلوكها مع اعترافه الدائم بارتباط هذه الأمة بمصير الأمة الفرنسية إلى حين،وقد كان يعد إلى هذا ((الحين)) جيشا من المتعلمين الذين يحسنون قراءة القرآن وترجمته ترجمة صحيحة لا تعرف الخيبة والفشل، لأن الفشل معناه نهاية هذا الجيل الذي تراهن عليه الأمة لتحقيق مصيرها.

وقف الإمام يوما من أيام 1938م على منصة نادي ا لترقي، وارتجل خطابا جاء فيه: "الساعة قد دقت وآن وقت العمل، وبعد العمل الموت، وأخيرا استعدوا ليوم عظيم"(68)، وأما رواد الخيانات الروحية والفكرية من الفرانكفونيين الاندماجيين المطالبين بالجنسية الفرنسية، فقد ردّ عليهم ابن باديس ردّا عنيفا وفقا لوفائه الصارم  لخطه الإسلامي والفكري الذي ينبع من مسؤوليته التي دعمها بالقاعدة الشرعية "من كثر سواد قوم فهو منهم".

ولهذا رفض الاندماج والإلحاق والتجنس على الرغم من الاتهامات المجانية لأصحاب "شجرة الزقوم" الذين يبحثون عن متكئ يعطيهم شرعية الارتماء ،وإلى الأبد تحت أقدام فرنسا الاستعمارية قديما وحديثا.

"...إن الذي قصم ظهر حركة الاستغراب كما يقول الدكتور سعد الله هو الحركة الإصلاحية التي كشفت عن هوية المجتمع الجزائري ودافعت عنها وصقلتها،وقدمتها في الصحافة والخطب والأناشيد والكتب فاهتدى بها من اهتدى وبقي الضالون قلة متوارية لا تجرؤ على المواجهة إلا في حالة غفلة شعبية كما حدث بعد الاستقلال"(69).

ظل الإنسان في تفكير ابن باديس أساس كل نهضة ومرجعيته تتحدد في الإسلام والعربية(70).

أما مواقف الإمام ابن باديس من الإدارة الاستعمارية فقد تنوعت، من الاعتراف بالاحتلال كواقع مر مفروض على أمة ضعيفة أنهكها الاحتلال وزاد في خيبتها الفشل الذريع الذي منيت به الثورات الشعبية في القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، ولما بلغ قمة النضج السياسي أعلن المفاصلة مع الإدارة الاستعمارية في مقال يدل على بعد ثوري جديد بدأ يثير اهتمام الإدارة الاستعمارية التي وصفته مع فرحات عباس في نهاية الأربعينيات(71) بأنهما يعملان على استقلال الجزائر، ومقال ابن باديس: "هل آن أوان اليأس من فرنسا"(72)، يدل على روح جديدة في تغيير الأسلوب المنهجي المتبع منذ العشرينيات كما أن معاصري الإمام من رواد الجمعية أشاروا في أكثر من مرة أن ابن باديس لما بلغ السيل الزبا قالوا له فما الحل "أشار بيده إلى جبال الأوراس" وقال هناك في جبال الأوراس، ويذكر الدارسون أن عبد الحميد بن باديس ومصالي الحاج توأمان، الأول كان يكوّن أمة كادت أن تندرس، والثاني يسعى إلى تجديد وإحياء الدولة الجزائرية، والأهداف واحدة في الوصول بالجزائر إلى دولة وأمة ذات سيادة في إطار الفضاء العربي الإسلامي(73).

وأزمة التخلف عند عبد الحميد بن باديس لا تكمن  في إعداد جيل رباني برجاله فقط، فقد كانت المرأة والدفاع عن تعليمها وحمايتها من الانحلال والتبرج والاختلاط الذي تدعو إليه النخبة المتفرنجة(74) مجال اهتمامه ويظهر من خلال حديثه وتذكيره بنساء السلف.

والمرأة الجزائرية التي يريدها ابن باديس ليست امرأة تطير بل حرة تلد لنا رجالا يطيرون ويعملون على إحياء الأمة، وتقدمها بين الأمم، ولهذا كان رده قويا على رواد التغريب من المسلمين أمثال: الطاهر الحداد من خلال كتابه:"امرأتنا بين الشريعة والقانون"(75)، إن النهوض بشقنا المعطل، وتأصيل دور المرأة المسلمة، كان قاعدة ثابتة في منهجية البناء والتغيير في فلسفة الإمام عبد الحميد بن باديس.

ولا يكمن فهم الخط الفكري الذي رسمه الأستاذ الإمام لنفسه حول أزمة التخلف الحضاري الشامل للجزائر إلا إذا ربطنا أفكاره الخاصة بعالم المسلمين الذي طرحها في مسائل الوحدة العربية، والخلافة الإسلامية والتضامن الإسلامي،وكذلك جهوده الواضحة في بناء التضامن الوطني والإنساني.

** الإمام عبد الحميد بن باديس والخلافة الإسلامية **

لقد اكتوى الإمام ابن باديس كغيره من رجال  الإصلاح بحرقة انفصام عرى الوحدة والتضامن الإسلامي الذي شهدته الأمة الإسلامية منذ سقوط الخلافة عام 1924م وتكالب قوى الاستعمار على البقية الباقية من أقطاره،والتي دخلت هي الأخرى تحت الدائرة المباشرة للاحتلالين الإنجليزي والفرنسي، وهي أقطار بلاد الشام والعراق.

وموضوع الخلافة ونهايتها على يد كمال أتاتورك (قرأه الإمام عبد الحميد بن باديس من زاوية أخرى هي مجال عرضنا في هذا المبحث الأخير ضمن دائرة فهم الإمام لأزمة التخلف عند المسلمين. "وقد أصيب العالم الإسلامي بأقسى محنة في تاريخه الطويل منذ ظهوره وهي سقوط الخلافة الإسلامية ووقف العالم الإسلامي كله مذهولا إزاء هذا الحدث الشنيع الذي رج العالم الإسلامي رجا عنيفا، ولم لا، وقد قطع أوصال الرباط الذي كان يربط المسلمين في شتى البقاع"(76).

وقد عبر أحمد شوقي عن هذا الذهول بقصيدة باكية يقول فيها:

عادت أغاني العرس رجع نـواح            ونُعيت  بين  معالم  الأفـــراح

كُفنت في ليل الزفاف بثوبــه            ودفنت عند  تبلـج الإصبــاح

شيعت من هلع بعبرة ضاحـك            في كــل ناحية وسكرة صـاح

ضجت عليك مآذن  ومنابــر            وبكت عليك ممالك ونـــواح

الهند والهة ومصر  حزينـــة            تبكي عليك بمـدمع  سـجـاح

والشام تسأل والعراق وفـارس            أمحا من الأرض الخلافة مـــاح

وقد أجمع الكتاب والساسة في ذلك العصر على نعي الخلافة وتنوعت الأطروحات والمقالات حسب مشارب كتابها، وسأقتصر في بيان مشاركة الجزائريين في هذا الأمر الخطير على مواقف الإمام عبد الحميد بن باديس، من الخلافة، ومن كمال أتاتورك من خلال الآراء السياسية التي عرضها في مقالاته المتعددة في جرائد حرة وجرائد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأولى انطباعات الإمام جاءت على نفس النسق الفكري الذي يشاطره فيه معظم المصلحين في عصره وعصرنا هذا ونشر هذه الانطباعات تحت عنوان: "الفاجعة الكبرى أو جنايات الكماليين على الإسلام والمسلمين ومروقهم من الدين" مؤرخة في 8 شعبان، ونشرتها جريدة النجاح(77) عدد 152 بتاريخ 28 مارس 1924م فقـال: "إن الإسلام لا يقدس الرجال - وإنما يسير الأعمال- فلئن والينا الكماليين بالأمر جناهم فلأنهم قاموا يذبون عن حمى الخلافة وينتشلون أمة إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين وقد سمعناهم يقولون في دستورهم (إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام) ولئن تبرأنا منهم اليوم وعاديناهم فلأنهم تبرأوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فعمل بعمل أهل النار فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين"، وعلى نفس هذا النسق الفكري والإطلاع الكبير على آراء وأفكار الكماليين والاتحاد والترقي اللادينية يسير ابن باديس في نقده ولخص الإمام جنايات الكماليين على الإسلام والمسلمين في المعالم الآتية:

- الجناية الأولى على الخلافة: الرباط الروحي للأمة الإسلامية.

- الجناية الثانية على الخليفة رغم موالاته للكماليين وهو الناطق الرسمي الذي  أعلن الجهاد في الحرب العالمية الأولى كما تبرزه الوثائق ( أنظر الوثائق ).

- الجناية الثالثة: إهانة عائلة الخليفة و طردها نحو ا لغرب.

- الجناية الرابعة على الدين: تعطيل أحكام الإسلام وطرد طلاب العلوم الدينية وغلق المدارس الإسلامية وتشبعهم بإلحاد أوربا.

ثم ثنى الإمام على مقاله السالف بمقال آخر عنوانه:  " على مقالنا السابق في جنايات الكماليين ومروقهم " نشر في جريدة النجاح العدد 153 بتاريخ 4 أفريل 1924م، وفيه قراءة تراثية لمنصب الإمامة أو الخلافة، تدل على براعة ابن باديس في توظيف ثقافته الإسلامية وفهمه العميق للسياسة الشرعية، بل وتفوقه في رسم قواعد النظام السياسي الإسلامي الأصيل.وانتقد: " الخلافة الروحية " أي تنزيل منصب الإمامة على منصب البابوية بالغرب المسيحي الكاثوليكي ثم قال: "... وبعد فإن الإسلام دين الحقائق والعلوم لا دين التقاليد والرسوم فلنرفض الأوهام و إن لأمتنا - ولنقبل الحقائق وإن آلمتنا - ولنقل عن علم وإنصاف أن خلافة الكماليين باطلة من أصلها، وأن لا خلافة اليوم، هذا وأن العالم الإسلامي، لا يسكت عن مسألة الخلافة ولا يهمل أمرها، وإن أعظم الرجاء معلق على الأمة العربية أمة كنانة الله، الأمة المصرية العزيزة، مصدر العلم و التهذيب للعالم الإسلامي أيام بؤسها  ومصدر  الحرية والنهوض، هذه الأيام أيام عزها واستقلالها، وقد حمل البرق نبأ تعلق علماء الأزهر الشريف على عقد مؤتمر إسلامي لهذا الأمر، وأنه يكون في شهر مارس من السنة القابلة - وإن غدا لناظره قريب -ونحن من المنتظرين والله ولي المؤمنين " ولا يمكن فهم آراء الإمام إلا إذا عدنا مرة أخرى لقراءة ما كتب بعد أربعة عشرة سنة خلت من مقالاته السابقة التي يشاطره فيها كل الذين تسكنهم هموم الوحدة الإسلامية وعلى رأسها الرئـاسة العامة لمسلمي الشرق، وهي الخلافة الإسلامية و لا يستقيم الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه إلا إذا عرضت مقالته حول أتاتورك الذي نشره في غرة رمضان 1357 هـ، نوفمبر 1938م. وعنوانه: " مصطفى كمال رحمه الله "، جاء فيه: (78) في السابع عشر من رمضان المعظم ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث عبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب فيحولون مجرى التاريخ و يخلقونه خلقا جديدا ذلك هو مصطفى كمال بطل غاليبولي في الدردنيل، وبطل سقاريا في الأناضول، وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو.

وإذا قلنا بطل غاليبولي فقد قلنا غالب الإنجليز أعظم دولة بحرية الذي هزمها في الحرب الكبرى شر هزيمة لم تعرفها في تاريخها الطويل، وإذا قلنا بطل سقاريا فقد قلنا قاهر الإنجليز وخلفائهم من يونان، وطليان، وفرنسيين بعد الحرب الكبرى ومجليهم عن أرض تركيا، بعد احتلال عاصمتها و التهام أطرافها وشواطئها.

وإذا قلنا باعث تركيا فقد قلنا باعث الشرق الإسلامي كله.

فمنزلة تركيا التي تبوأتها من قلب العالم الإسلامي في قرون عديدة هي منزلتها فلا عجب أن يكون بعثه مرتبطا ببعثها، لقد كانت تركيا قبل الحرب الكبرى هي جبهة صراع الشرق إزاء هجمات الغرب ومرمى قذائف الشره الاستعماري و التعصب النصراني من دول الغرب فلما انتهت الحرب، فخرجت تركيا منها مهمشة مفككة تناولت الدول الغربية أمم الشرق الإسلامي تمتلكها تحت أسماء استعمارية ملطفة واحتلت تركيا نفسها، واحتلت عاصمة الخلافة و أصبح الخليفة طوع يدها، و تحت تصرفها وقال المارشال اللنبي - وقد دخل القدس - (اليوم انتهت الحروب الصليبية) فلو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا و ذهب الشرق الإسلامي معها لكن كمالا الذي جمع تلك الفلول المبعثرة، فالتف به إخوانه من أبناء تركيا البررة ونفخ من روحه في أرض أناضول حيث الأرومة التركية الكريمة و غيل ذلك الشعب النبيل وقاوم ذلك الخليفة الأسير و حكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب و في مقدمتها إنكلترا من الخارج - لكن كمالا هذا أوقف الغرب المغير عند حده و كبح من جماحه و كسر من غلوائه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله وضرب له المثل العالي في المقاومة والتضحية، فنهض يكافح ويجاهد، فلم يكن مصطفى محي تركيا وحدها، بل محي الشرق الإسلامي كله، وبهذا غير مجرى التاريخ، ووضع للشرق الإسلامي أساس تكوين جديد، فكان بحق كما قلنا - من أعظم عباقرة الشرق العظام الذين أثروا في دين البشرية و دنياها من أقدم عصور التاريخ.

إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك ( أبي الترك ) مما يقصر عنه الباع، و يضيق عنه المجال، ولكني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام. فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفا و يكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف، فمن هم هؤلاء المسؤولون ؟. . .

المسؤولون الذين كانوا يمثلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولون أمر الناس بمفرده ويعدون أنفسهم أهله وأولى الناس به.

هؤلاء هم خليفة المسلمين شيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء الدين، شيوخ الطرق الصوفية والأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها.

أما خليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الإنجليز المحتلين لعاصمته ساكتا ساكنا مستغفرا لله، بل متحركا في يدهم تحرك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا بإعلان الجهاد ضد مصطفى كمال ومن معه الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين.

وأما شيخ الإسلام وعلماؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزعه على الناس بإذنه وتلقيه الطائرات اليونانية على القرى برضاه، ويبيح دم مصطفى كمال ويعلن خيانته ويضمن السعادة لمن يقتله.

وأما شيوخ الطرق الضالون وأتباعهم المنومون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم  يوزعون ذلك المنشور، ويثيرون الناس ضد المجاهدين.

وأما الأمم الإسلامية التي كانت تعد السلطان العثماني خليفة لها فمنها - إلا قليلا - من كانوا في بيعته فانتفضوا عليه ثم كانوا في صف أعدائهم وأعدائه ومنها من جاءت من مستعبديها حاملة السلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم.

فأين هوا لإسلام في هذه (الكليتيات)* كلها ؟، و أين يبصره مصطفى الثائر المحارب والمجاهد الموتور بها ؟

لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورة جامحة و لكنه لم يثر على الإسلام و إنما على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم، وعلي نفسي،لا خير لي في الاتصال بكم مادمتم على ما أنتم عليه.

فكونوا أنفسكم ثم تعالوا نتعاهد ونتعاون كما نتعاهد وتتعاون الأمم ذوات السيادة والسلطان.

أما الإسلام فقد ترجم القرآن لأمته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه أو تستقيه من نبعه، ومكنها من إقامة شعائره فكانت مظاهر الإسلام في مساجده ومواسمه تتزايد في الظهور عاما بعد عام حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه تغمده  الله برحمته؛لسنا نبرر صنيعه من رفض مجلة الأحكام، ولكننا نريد أن نذكر الناس أن تلك المجلة المبنية على مشهور و راجح مذهب الحنفية ما كانت تسع حاجة أمة من الأمم؛ في كل عصر؛ لأن الذي يسع البشرية كلها في جميع عصورها هو الإسلام بجميع مذاهبه، لا مذهب واحد أو جملة مذاهب محصورة كائنا ما كان، وكائنه ما كانت أو نريد أن يذكر الناس أيضا أن أولئك العلماء الجامدين ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا غير ما عرفوه من صغرهم من مذهبهم، وما كانت حواصلهم الضيقة لتتسع أكثر من ذلك، كما يجب أن يذكروا أن مصر، بلد الأزهر الشريف مازالت إلى اليوم الأحكام الشرعية - غير الشخصية - معطلة فيها، ومازال ( كود) نابليون مصدر أحكامها إلى اليوم، ومازال الانتفاع بالمذاهب الإسلامية في القضاء - غير المذهب الحنفي - مهجورا كذلك إلا قليلا جدا.

نعم إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية ليس مسؤولا في ذلك وحده، وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاءوا و كيفما شاءوا، و لكنه رجع لهم  حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه ومصدره، ثم إخوانه المخلصون، فأما الذين رفضوا الأحكام الشرعية إلى (كود ) نابليون فماذا أعطوا أمتهم ؟ و ماذا قال علماؤهم ؟

فرحم الله مصطفى و رجح ميزان حسناته في الموازين و تقبل إحسانه في المحسنين.

وإلى الأمة التركية الشقيقة الكريمة الماجدة، التي لنا فيها حفدة و أخوال، والتي تربطنا بها أواصر الدين والدم والتاريخ والجوار، والتي تذكر الجزائر أيامها بالجميل أو ترى شخصها دائما ماثلا فيما تركت لها من مساجد ومعاهد للدين الشريف أو الشرع الجليل، إلى تركيا العزيزة نرفع تعازي الجزائر كلها مشاركين لهافي مصابها راجين لها الخلف الصالح من أبنائها و مزيد التقدم في حاضرها ومستقبلها.

وإلى هذا فنحن نهيبها برئيس جمهوريتها الجديد عصمت إينونو، بطل (إينونو) ومؤتمر لوزان و ثني مصطفى كمال، وإن في إجماعها على انتخابه دليلا على ما بلغته  تركيا الكريمة من الرشد في الحياة الذي تبلغ به - إن شاء الله - من السعادة والكمال، ما يناسب مجدها القدموس وتاريخها الحافل بأعاظم الرجال، وجلائل الأعمال.    انتهى مقال الإمام ابن باديس.  أ.هـ.

 إن الأسلوب الذي عرض به الإمام عبد الحميد بن باديس آراءه في شخصية بارزة في العالم الإسلامي أثارت جدلا كبيرا بين تيارات الفكر الإسلامي والوطني هي الدعامة الأولى التي تركتني أعرض المقال بتمامه.

وثانيا لأن هذا المقال شهادة من شخصية نزيهة مطلعة على أفكار وآراء العالم الإسلامي، وهي جديرة في عصره أن تثير الأحاسيس والآلام، ولأن عرض كل المقال فرصة لصاحبه أن يكون في الصورة الكاملة، لما سأعرضه من آراء مخالفة وأفكار مناقضة لما ذهب إليه في تمجيد شخصية " كمال أتاتورك "، بعد رحيله من هذا العالم، وما ترك من آثار في بلاده أولا، ومن صدى في العالم الإسلامي كله وهذا بإلغائه للخلافة في 3 مارس 1924م.

ونستطيع بعد هذا العرض أن نحدد مجموعة من المحاور الكبرى التي تطرق إليها مقال الأستاذ الإمام وهي:

- مصطفى كمال أتاتورك عبقري من أعظم عباقرة الشرق.

- مسؤولية علماء العصر أكبر فيما حدث بإلغاء الخلافة من كمال أتاتورك.

- فساد الخلافة الإسلامية في عهد السلطان محمد رشاد و تبعيته للغرب.

- فساد رجال الطرق الصوفية، وهوانهم و تبعيتهم للإنجليز.

- إن الانقلاب الكمالي على رمز الخلافة مسألة طبيعية لأن جوهر الخلافة قد زال منذ مدة طويلة فما إلغاء الخلافة في مارس 1924م إلا صورة هينة لإلغاء صورة ميتة.

- أطماع ملك مصر وزعماء العرب في رمز الخلافة يدل دلالة واضحة على أنهم في غير مستوى الوعي السياسي المطلوب في قواعد وأصول النظام السياسي المعروف في الحكومة الإسلامية.

- لقد ألغى مصطفى كمال مجلة الأحكام الشرعية في تركيا لأنها اقتصرت على مشهور  مذهب الحنـفية فقط، والذي يسع الناس هو الإسلام بمذاهبه.

- حرية الأتراك بعد إلغاء مجلة الأحكام الشرعية في العودة متى شاءوا وكيفما شاءوا في إعادة هذه الأحكام من جديد.

- تفاؤل الإمام ابن باديس بالرئيس الذي خلف كمال أتاتورك ومدى قيامه بنفس العمل الذي سار عليه سابقه ورفيقه في الكفاح العسكري والسياسي.

هذه مجمل أفكار الإمام ابن باديس في هذا المقال البليغ والذي سنحاول تقييمه من خلال ما تمكنا من قراءة الوثائق المعاصرة للحدث.إن هذه الآراء التي أطلقها الإمام ابن باديس في حق كمال أتاتورك جديرة بعرض الآراء المخالفة لها حتى تستقيم الصورة، فإذا كان الإمام قد وصف أتاتورك جديرة بعرض الآراء المخالفة لها حتى تستقيم الصورة، فإذا كان الإمام قد وصف أتاتورك بأنه من أعظم عباقرة الشرق فهذه المسألة فيها نظر لأن الأحداث والوثائق تنبئ عكس ما وصف به أتاتورك.

فالذين عاصروا هذا الرجل تحدثوا عن سيرته و نشأته، فقد شككوا في نسبته إلى أرومة تركية، بل هو نفسه قد صرح لصديقه الدكتور رضا نور(79) الذي تعاون معه مدة حياته، بأن مصطفى كان يقول إنه " سلافي " وقد كان يشرب الخمر كثيرا حتى أصيب بالتلف الكبدي في آخر حياته كما كان يلهو بالنساء كثيرا وقد بلغ درك في الفحش لم يطاوله فيها أحد ومغامراته النسائية كما تبرز الوثائق جد لصيقة به، وما علاقته المشبوهة مع " خالدة أديب " الكاتبة التركية الشهيرة، وحدها تقوم مقام الشاهد على فساد كمال أتاتورك الأخلاقي وهي من المسائل الهامة التي لا تليق بأعظم شخصية في الشرق (80) كما وصفه الإمام ابن باديس، وقد يرد ابن باديس على هذه التهم كلها فيقول: بأن هذه التهم كلها جاءت بها قريحة خصومه من الشرق والغرب.

كما تميزت الأعوام التي أمضاها في الحكم كرئيس للجمهورية بسلسلة من أحط أنواع الغصب والسرقة واستغلال النفوذ وقتل الخصوم، وقد وصفه مصطفى صادق الرافعي بالدكتاتور الذي لم يكن يحتمل أي نقد ولو من أقرب المقربين إليه،وهذه الصفة التي أصبح عليها كمال أتاتورك هي نتيجة طبيعية لما قام به اتجاه خصومه من المعارضين بما فيهم أعضاء الاتحاد والترقي، كما سحق كل الطرق الصوفية وعلى رأسها زعماء وشيوخ وأتباع الطريقة النقشبندية.وما مأساة العالم الرباني "بديع الزمان سعيد النورسي " إلا شاهد عيان على إرهاب دولة كمال أتاتورك وفظاعة تعاملها مع رجال الفكر الإسلامي النزهاء المخلصين كما أن نهاية شيخ الإسلام "مصطفى صبري " دعامة ثانية على عدم نزاهة هذا الحكم الجديد والذين جاءوا من بعده لحكم الجمهورية التركية العلمانية المعادية لكل ما يصدر عن النزهاء المخلصين من رجالات الإصلاح السياسي والاجتماعي، والحكام الذين جاءوا من بعده مثلوا القشرة العفنة في الكيان الإسلامي التركي المهزوز على مر العقود الستة.

وإن لا أوافق أخيرا الإمام ابن باديس رحمة الله عليه في وصف كمال بما وصفه فأقول: إن كمال أتاتورك هو صناعة بريطانية محكمة (81) ليقوم بنفسه وباسم الأمة التركية وبرلمانها المنتخب بإلغاء الخلافة الإسلامية - الشعرة البسيطة التي تجمع الشعور العاطفي والسياج السياسي الذي يجمع الأمة الإسلامية مهما قضم الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، والهولاندي أطرافها. إن القضاء على الدولة العثمانية وتقسيم أملاكها بين الدول الاستعمارية كان الهدف الذي سارت فيه السياسة الدولية آنذاك، وقد أشار الإمام ابن باديس إلى هذا الأمر ببيان ووصف دقيق لا يحتاج إلى مجلدات لتبيانه، وحتى ندرك خطورة السلطنة أو الخلافة العثمانية، نقول إن الوثائق التاريخية المعاصرة للأحداث تنبئ عن مؤامرة يهودية كانت وراء الأحداث التي عرفتها الخلافة الإسلامية في العقود الأربعة التي سبق إلغاء مصطفى كمال لها من الخارطة السياسية والروحية للأمة الإسلامية.

لأن الوفاق الصهيوني، الدولي، والمحلي لخلع السلطان عبد الحميد الثاني آخر الخلفاء الذين وقفوا في وجه العلمانيين من حزب وجماعة الاتحاد والترقي، وشباب تركيا الذين درسوا في الغرب وكذلك وقوفه الصلب في وجه أطماع اليهود في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كذلك الوقوف بحزم أمام ثورات الأقليات في الأقاليم العثمانية، والتي تحركها أصابع السياسة البريطانية في المنطقة كلها، كانت وراء الصيحات التي انطلقت معارضة حكم السلطان عبد الحميد الثاني سواء من الأتراك أو من باقي القوميات المختلفة، وهذه كلها لعبت دورا فاعلا في مساعدة الدول الأوربية والحركة الصهيونية لاستغلال هذه لمعارضة، والاستفادة منها (82).

وتؤكد "الموسوعة اليهودية " بأن السلطان عبد الحميد الثاني عامل يهود الدولة العثمانية معاملة طيبة، ومع ذلك كان دور اليهود في ثورة 1908م وخلع السلطان في عام 1909م واضحة المعالم بعد نشر الوثائق المعاصرة للأ