|
تحاول
هذه الكلمة أن تنظر في بعض الصفحات من
سجل مسار الجهاد السياسي لجمعية العلماء
المسلمين الجزائريين، رائدة الحركة
الوطنية الحضارية، وذلك من خلال تجربة
الإمام عبد
الحميد ابن باديس (1889/1940)
مؤسس هذه الحركة ، في المؤتمر الإسلامي
المنعقد 1936 في الجزائر العاصمة ، ونلحظ أن
إسهامات الإمام في العمل السياسي قد شملت
هذا الميدان بجانبيه النظري والعملي ،
ويمكن أن يتمركز النقاش لإجلاء ذلك في هذه
المحاور :
1-
في الحقل النظري :
أولا : المدخل
ثانيا
: البعد السياسي في المشروع الباديسي
ثالثا:
مفهوم ومنهج
رابعا
: اختيار وتعليل
2-
في الحقل العملي :
خامسا: معالم من مسار
الجهاد السياسي للإمام ابن باديس
سادسا:
تجربة الإمام ابن باديس في المؤتمر
الإسلامي
سابعا:
نضج وتطور
ثامنا
: الخاتمة
1- في
الحقل النظري :
أولا
: المدخل
كانت
الجزائر في العصر الحديث
من أسبق شقيقاتها في العالم العربي
الإسلامي ابتلاء بالاحتلال الأوروبي ، 1830
وذلك على أيدي الغزاة الفرنسيين دعاة
(الحرية والمساواة والأخوة) هؤلاء الذين
خرجوا من ديارهم متطوعين من أجل نصرة
الحقوق الإنسانية ونشر الحضارة والمدنية
بين المستضعفين -
كما يزعمون - وذلك عن طريق احتلال بلاد
هؤلاء المستضعفين ونهب خيرات أراضيهم
والقضاء على مقومات شخصيتهم !
وقد
كانت الجزائر من بين هذه البلدان التي
أخذت بحظ وافر من هذه (الجهود الإنسانية
المشهودة والمحمودة !) على
أيدي الغزاة الفرنسيين الذين استهدفوا من
خلال هذه الهجمة الصليبية التغريبية
القضاء على كيان الشعب الجزائري : أرضا
وعمرانا، مقومات
وقيما، ثقافة وحضارة .
إلا أن الشعب الجزائري لم يرضخ لهذه
الهجمة وهذا العدوان ، وإنما قاما
يتحداهما بإيمان وشجاعة، وكان ذلك على
امتدادا جبهات عديدة :
1-
المقاومة المسلحة من
ثورة الأمير عبد القادر 1830 إلى كبرى
الثورات الجزائرية، ثورة نوفمبر1954.
2-
الصراع الفكري من
مبادرات الإصلاح الديني على يدي الشيخ
صالح بن مهنا (1854/1910) في أواخر القرن التاسع
عشر . ومن عاصره وجاء من بعده من شيوخ مطلع
القرن العشرين، إلى الحركة الإصلاحية
الحضارية للإمام ابن باديس في العشرينات
من القرن الماضي .
3-
الجهاد
السياسي من جهود الأمير خالد (1875 / 1936) في
أعقاب الحرب العالمية الأولى، إلى جهاد
جبهة التحرير الوطني إبتداءا من نوفمبر
1954 .
ويمكن أن يميز الباحث في هذه
المقاومة السياسية تيارات ثلاثة :
1-
التيار الوطني الحضاري (الانطلاق
من الاستقلال الشخصي كمقدمة للنضال من أجل
الاستقلال السياسي) الحركة الإصلاحية
الحضارية في العشرينات من القرن
الماضي واستمرارية نشاطها في مشروع جمعية
العلماء المسلمين الجزائريين ابتداء من
عام 1931.
2-
التيار الوطني السياسي (الاعتماد
على النضال السياسي من أجل الاستقلال
الوطني) حزب النجم 1926 ثم حزب الشعب
الجزائري 1937 ثم حركة انتصار الحريات
الديموقراطية في الأربعينات .
3-
التيار
الوطني الاندماجي ( المطالبة بالمساواة )
جماعة النخبة ما
بين الحربين.
وكان ابن باديس وهو يقود الحركة
الوطنية الحضارية يزاوج في مشروعه
النهضوي بين الدين والعلم، بين التربية
والأخلاق، بين الاجتماع والسياسة، وكان
البعد السياسي بذلك معلما بارزا في هذا
المشروع، وذلك على أكثر من صعيد، وفي غير
ما جبهة من جبهات الصراع الدائر بين أهل
الحق الذائدين عن حقهم، وبين أهل الباطل
المعتدين على غيرهم، فماذا عن ذلك ؟
ثانيا
: البعد السياسي في المشروع الباديسي
يحسن
قبل الاسترسال في معالجة هذا الجانب من
نشاطات الإمام ابن باديس أن نتساءل عن
الصلة بين ما نهض به من جهاد على امتداد
وجوه الحياة العامة ، وبين
العمل السياسي ؟ فهل يمكن اعتبار الإمام
بذلك أحد رجال السياسة ؟ وكيف كانت
استراتيجيته في معالجة قضاياها ؟
يمكن
القول أن السياسة كانت حاضرة في مشروع ابن
باديس منذ دخوله معترك الحياة الاجتماعية
في مطلع شبابه في بداية العشرينات، بيد
أنه لم يكن متفرغا لها بكليته ولم يركز
عليها كامل جهده ولم تكن هاجسه الأول، لا
لأنه لم يكن بجبلته رجل سياسة خبيرا
بدروبها ودهاليزها وإنما كان أحد
العلماء، وهؤلاء كما يرى أحد الدارسين(1)
أبعد الناس عن السياسة، ولا لأنه كان لا
يقدر خطرها في حياة الناس، لم يكن هذا ولا
ذاك أحد الدوافع التي دفعته إلى اتخاذ هذا
الموقف، وإنما سلك ذلك المسلك عن تبصرة
وحكمة حفاظا على حركته وإدراكا منه - فيما
أحسب- لأنجع السبل التي تمكنه من الوصول
إلى ما يرمي إليه من مقاصد.
فقد
كان سليل بيت ملك و سلطان ، ففي القديم كان
أجداده ملوكا وساسة لعل من أشهرهم
(المعز بن باديس) مؤسس الدولة
الصنهاجية (ت : 373/ 984) ، وفي العصر الحديث
كان أبوه عضوا في
المجالس النيابية المختلفة(2)، كما
كـان عمه (أحميدة بن باديس) كذلك(3)،
ويستبعد أن يتربى رجل في هذا المحيط ويكون
حظ أصوله من السياسة ما رأينا ولا يسري في
عروقه شيء من الميراث السياسي قل أو كثر،
كما كان من نحو آخر يملك بعض خصال الإنسان
الزعيم في قومه بما توفرت لشخصيته من قيم
الإخلاص والحكمة والشجاعة والحزم، فإن
التاريخ يؤكد أن الاستدمار بالرغم من
مختلف ما سلط على حركته من أساليب الإرهاب
وصنوف الاضطهاد، فإنه
لم يستطع أن يلين قناته أو يثنيه عن مواصلة
سيره فيما عزم على النهوض به، وقد زادت
الفكرة الإسلامية هذا الميراث السياسي
حكمة و رجاحة، كما زادته نضجا وترشيدا
أحداث الصراع الدائر بين أمته و بين
المحتلين، و وجوده في موقع الصدارة منه
يذود عن الأمة قيما و مقومات وحقوقا ولكنه
لم يكن يولي العمل السياسي بمفهومه الحزبي
الضيق عناية كبيرة(4) لاعتقاده أن ما
تعانيه الأمة من علل وأدواء لا تقوى
السياسة وحدها على معالجته، ولم تكن
بعبارة أدق من الوصفات الدقيقة له، وأن
المنهج الذي ينهض بالأمة روحيا وعقليا
وسلوكيا أجدى عليها من غيره وأن حاجتها
إلى ذلك لمـداواة جراحاتها اكثر من
حاجـاتها إلى سواه، وإن أية خطوة يخطوها
الكاتب في عملية إعادة بنائها يحسن أن
يسبقها التركيز على تصحيح الاعتقاد
وتحرير العقل وتنوير الفكر وتقويم
السلوك، كما كان الإمام قد وعى تجربة
الأمير خالد وتأثر بما انتهت
إليه فرغب لذلك بعدم التظاهر
بالاشتغال بالسياسة وذهب
ـ تقية ـ إلى حد إعلانه عن اجتناب
حركته الدينية التهذيبية عن العمل
بالسياسة(5)
وهو بإلحاحه على هذا الجانب لا يعني أن
الإسلام ليس من اهتماماته ذلك، أو أن
السياسة ليست من
الشريعة الإسلامية في شيء ،كما ذهب إلى
ذلك أو إلى شيء منه الشيخ (علي عبد الرزاق)
في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وإنما
كان قد فعل ذلك حتى يعمل على إبعاد السلطة
عن شؤون الإسلام فيضمن
بذلك المحافظة على أبرز عنصر من عناصر
الشخصية الجزائرية من نحو ، كما يعكس من
نحو آخر حرصه على حماية حركته و هي في
بداية عهدها، مما قد تتعرض إليه من جراء
ذلك من مخاطر.
وما
كان ذلك في النهاية إلا أسلوبا بارعا في
التعامل مع المحتلين من زعيم مجرب حكيم(6)،
ولذلك كان يشير إلى أنه لا يريد أن يدخل
المجال السياسي، باسم الجمعية كما كان
يعمد إلى توقيع بعض الأعمال التي يظهر
فيها شيء من المواجهة والشدة باسمه الخاص
حفاظا على الحركة(7) .
وقد
أدت به هذه العوامل للاعتقاد بأن المبادرة
بالعمل السياسي قبل أن ينضج عود الحركة
وتنجح في تبليغ دعوتها إلى ضمير الشعب
فيستيقظ من سباته ويشرع في تحسين واقعه
ويلمس طريفه نحو العلم والعمل والتحرر من
الجمود والتقليد ، إن المبادرة بالسياسة
دون تحقيق هذه الخطوات قد يبوء بالحركة
إلى الإجهاض ، ذلك لأن العمل السياسي
والأمة تغط في سبات عميق ، و تسبح في بحر
لجي من الأوهام والبدع لا يؤتي ثماره، ولا
تؤمن عواقبه إذا لم يسبقه ويواكبه جهد
بارز في حقل العمل الدعوي الفكري وإن هذه
القراءة الداعية للواقع الوطني
والملابسات التي تكتنف جوانب الصراع فيه
وتتحكم في سير الأحداث به يومئذ، إن هذه
القراءة جعلت ابن باديس لا يتفرغ للسياسة
بكليته ولم يعتزلها نهائيا في نشاطاته
ومواقفه المختلفة وإنما كان يزاوج بينها
وبين منهجه الإصلاحي مراعيا في ذلك الظروف
والملابسات والأحوال .
وماذا
بعد عن مفهوم ابن باديس للسياسة ؟ فهل كان
يفهمها بمنطق الماديين النفعيين أن
الغاية تبرر الوسيلة ؟ أم كان يفهمها على
نحو مغاير ؟ وهل كانت عنده كما هي عند بعض
السياسيين المحترفين، ركضا وراء المصالح
الخاصة ومصدرا ثرا للارتزاق أم كان يفهمها
سعيا وجهادا لخدمة المصلحة العليا للأمة،
في نطاق ما تسمح به الأخلاق الإسلامية و
المبادئ الإنسانية ؟
ثالثا
: مفهوم ومنهج
لقد
كان يفهم السياسة كما تنص عليها مصادر
الشريعة الإسلامية مستمدة من القاعدة
الأصولية: الأمر بالمعروف و النهي عن
المنكر ]
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [(8)
و في الحديث الشريف قوله (صلى الله عليه
وسلم) : )
من رأى منكم منكرا فليغيره بيده
فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ( رواه أحمد و
مسلم(9) ويقال في اللغة : )
سست الرعية سياسة : أمرتها ونهيتها ((10).
ويرى
ابن خلدون أن "السياسة المدنية هي تدبير
المنزل أو المدينة لما يجب بمقتضى الأخلاق
والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه
حفظ النوع وبناؤه "(11).
إن
ابن باديس يستمد مفهومه للسياسة من هذه
الأصول، فهو لا يفهمها في حدود تلك الأطر
الحزبية الضيقة التي يقتصر فيها أصحابها
على القشور دون اللباب، ويتهالكون من
دونها على الكراسي والألقاب،
وإنما
ينظر إليها من معناها الحقيقي بصفتها خدمة
الأمة بصدق وإخلاص في جميع مناحي حياتها،
وتدبير شؤونها الدينية والدنيوية : إحياءا
لمقوماتها، وتمسكا بقيمها، وذودا عن
حقوقها ونشرا
للعلم والفضائل بين أبنائها، وحثا إياهم
على الإقبال على الحياة و الأخذ بأسباب
العزة و التقدم فيها .
وهذا
ما يلمع إليه أو إلى بعضه الكاتب في معرض
حديثه عن مبدأ حركته في العمل السياسي "مبدؤنا
في الإصلاح السياسي هو المحافظة التامة
على جميع مقوماتنا ومميزاتنا كأمة لها
مقوماتها ومميزاتها والمطالبة بجميع
حقوقها السياسية والاجتماعية لجميع
طبقاتنا دون الرضى بأي تنقيص أو أي تمييز
"(12).
وإن
هذا الذي يقرره ابن باديس عن مفهومه للعمل
السياسي يؤكده الإبراهيمي بأوضح بيان
فالسياسة عنده "إحياء المقومات التي
ماتت أو ضعفت أو تراخت من دين أو لغة وجنس
وأخلاق وتاريخ وتقاليد وتصحيح قواعدها في
النفوس، ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في
منطق وإيمان، ثم الإصرار على المطالبة في
قوة وشدة ،ثم التصلب في الإصرار في
استماتة وتضحية "(13).
ويمكن
أن يتبين المرء من خلال هذه المواقف
الثابتة أن جوهر السياسة عند المصلحين
واحد في جميع المراحل التاريخية ، وإنما
الذي كان يتغير بين زمن وآخر، إنما هو
العرض أي اللبوس الذي كانت تلبسه هذه
السياسة في فترة – تبعا
للظروف والمستجدات – ولا تلبسه في
أخرى.
فهذه
إلماعة عن مفهوم الإمام للسياسة ،
فماذا بعد عن منهجه الذي سلكه في عمله
السياسي ليصل به
إلى ما رسم من مرام وغايات ؟
كانت الجزائر في
الفترة التي عاصرها ابن باديس وتفاعل مع
أحداثها ، تعيش في ظروف قاسية استمرارا
لما كانت عليها منذ ابتلائها بنكبة
الاحتلال الفرنسي : حقد حكام وجور إدارة
وتعسف سلطة وتواطؤ الجميع على النيل من
الشعب الجزائري : سيادة وشخصية وحضارة
فانفعل ابن باديس وهو يضع خطواته الأولى
على عتبة الجهاد الأكبر بهذه الحال ، فوطن
نفسه على القيام بعمل يكون من شأنه التصدي
لإحباط هذه الهجمة الصليبية الشرسة،
والعمل على إفشال ما تستهدفه
من مكائد ضد الدين والوطن والأمة .
ولاشك أن يكون ابن باديس وهو يقلب النظر في
جوانب هذه الوضعية، بحثا عن أسلم السبل
لعلاجها، قد تواردت على ذهنه بعض الأسئلة
حول الأسباب التي أدت بالأمة إلى هذه
النهاية المخزية : فهل كانت هذه الإنتكاسة
من آثار نكبة الاحتلال الأجنبي أم كانت
نتيجة عوامل أخرى، سبقت ظاهرة الاحتلال
ومهدت لها ، ولم تكن هذه الظاهرة - وإن زادت الأحوال
ضغثا على إبالة - إلا مسببة عنها، وليست
سببا فيها ؟ يمكن القول أن ما انتهت إليه
الأمة من ذل واستخذاء وتخلف ، إنما نجم عما
أصابها في قواها الفاعلة : روحها وعقلها و
نفسها من اعتلال واختلال في إطار التدهور
العام الذي أصاب الحضارة العربية
الإسلامية في عصر الضعف، وإذا كان الأمر
كذلك ، فما هي أنجع السبل لإخراج الأمة من
هذه الوضعية ؟
وأي
الدروب يجب أن يسلك من رام إبراءها من هذه
العلل ؟ وهل باب الجهاد الدعوي الفكري
ينتهج أم عباب السياسة
يبحر، أم أنه يزاوج بين هذا وذاك مبتدئا
بالأهم فالمهم مراعيا في ترتيب أولويات
العمل ، ملابسات الواقع ومجريات الأحداث
من حوله ، فيرمي بذلك رميته في عمل جامع
شامل يكون من شأنه إبراء الأمة من أدوائها
؟
وإن
الذي يستقرئ حيثيات الموضوع و ينعم النظر
في معطيات الواقع يتبين أن أنجع المناهج
في إنقاذ الأمة مما تلقى من عنت وإرهاق
وإخراجها مما تتخبط فيه من احتلال
واستغلال ، إنما هو ذلك المنهج الذي يتمثل
في البناء الحضاري الذي لا يقتصر العمل
فيه على نشاط أحادي ينحصر في معالجة بعض
الأدواء دون بعضها الآخر وإنما يقوم على
ضبط أسس العمل في منهجية محكمة تهدف إلى
النهوض الشامل ببنية الأمة في جميع
مقوماتها ومظاهر حياتها، فكانت بذلك
الخطة الدينية التي تقوم على البناء
الروحي والعقلي والنفسي من أبرز ما أقام
عليه ابن باديس مشروعه في عملية النهضة ،
وكان هذا التوجه صادرا عن قناعة وروية،
فماذا عن ذلك ؟
رابعا
: اختيار وتعليل
ويمكن
للباحث أن يعلل لهذا الاختيار بما يقوم
عليه الدين الإسلامي من وضوح اعتقاد وكرم
أخلاق وسماحة شريعة، مما يجعله معين
السياسة الرشيدة الذي لا ينضب ومنهلها
العذب الذي لا يغور، وهو بذلك أجدى
وأنجع من غيره في معالجة مشكلات
الإنسان فردا وجماعة، والسير به نحو أعلى المراتب وأكملها
بمنهج لا يدنو إلى مرقاه سواه، وبهذا
كان المسلم غنيا بتعاليم دينه عن سائر
المناهج الوضعية في تسيير جميع وجوه
الحياة ولا تعوزه الحاجة إلى أي منها في أي
شيء من ذلك ، ويمكن أن يستنتج من هذا أن
العمل السياسي في المنظور الإسلامي إذا لم
يستنر صاحبه فيما يخطط وفيما يعمل بالعامل
الديني ضل في سيره وخاب في مسعاه، ولذلك
فقد اختار الشيخ ما اختاره عن وعي وتبصر
ولو كان يرى أن المنهج السياسي يفيده
في مشروعه أكثر من غيره لكان قد استهل
به جهاده، وما كـان يثنيه عن ذلك خوف أو
يقعده عنه ضعف ولكنه ترك العمل السياسي في صورته
الحزبية الضيقة لأصحابه معتقدا بعدم
جدواه و بخطورته بآن على
حركته وهي في بدايتها و ليمهد من نحو آخر
الطريق أمام جماعته نحو المستقبل من خلال
تعبيد الأرضية الروحية و الفكرية
والنفسية لأفراد الأمة حتى يتسنى للشعب من
أن يغرس في حقولها بذور نضاله السياسي
وأسس ثورته الجهادية، ويمضي يتعهد ذلك بما
يرعاه و ينميه إلى أن يخرج الزرع شطأه ويستوي
على سوقه ويحين آوان حصاده ثمرا جنيا، عزة
و أصالة، حرية و استقلالا(14).
وللسائل
أن يسأل : لماذا
لم يتحرك ابن باديس في
عملية النهضة
على أكثر من صعيد ويجمع
فيها بين
أكثر من أسلوب ؟
يمكن
القول أن فكرة المزاوجة بين أكثر من منهج
كانت من أبرز ما يميز خصائص العمل
الباديسي في النظر إلى الأمور والتعامل مع
الأحداث والمواقف. فقد رأينا أنه زاوج في
بناء أسس مشروعه بين الروح والمادة ،بين
العقل والقلب بين التربية والعلم، بين
الدين والسياسة. ومن هذا المنطلق جمع
الكاتب في نشاطاته ما بين الخطة الدينية
والخطة السياسية في مرحلة مبكرة من حياته
، وذلك من خلال جمعه في آن، بين عكوفه على
مشروعه الدعوي، وبين متابعاته وتعليقاته
على خطب الحكام وتصريحاتهم وكاد الإمام
أن يعلن عن اشتغاله وصحبه بالسياسة في معرض تعليقه عن
اتهامات المحتلين لهم بذلك
"ثم ما هذا العيب الذي يعاب به
العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة ؟
فهل خلت المجالس النيابية الكبرى والصغرى
من رجال الديانات الأخرى "(15).
ولم
يثبت عن الكاتب - على أية حال - أنه نفى عن
حركته الاشتغال بالسياسة كأسلوب للتوجيه
والتعبئة وضبط المصالح، وإنما كان يحاول
أن يبعد عنها ذلك - بوصفها حركة دعوية
تهذيبية - تهمة الاحتراف بالسياسة
بمفهومها الحزبي المحدود "والجمعية لا
تنتمي لحزب ولا تعادي حزبا إلا من حارب
الإسلام والعروبة(...) والجمعية ما تدخلت في
سياسة الكراسي والنيابات و المكاتب
والممرات... وإنما وقفت الجمعية في مؤتمر
الأمة تضع مطالب الدين واللغة وشروط
المحافظة على الجنسية والشخصية ومثلت
ذلك كله بلسانها وهيئتها أصدق
تمثيل "(16).
وبماذا
يمكن أن يوصف به عمل من يبعث في الأمة روح
النهضة ويسهر على توعيتها بواقعها ويحثها
على النهوض به ويرسم الطريق أمامها لبلوغ
غاياتها في الحياة الحرة الكريمة ؟ وفي أي
إطار يمكن أن يدرج عمله هذا ؟ أو ليس ذلك هو
عينه جوهر العمل السياسي الرشيد الذي يهز
مضاجع المحتليين ويهدد وجودهم وينذرهم
بقرب رحيلهم ؟ وإذا لم يكن ذلك العمل كذلك
، فلم يفزع المحتلون من الحركة الباديسية
ويسارعون إلى البطش برجالاتها
وملاحقتهم وتضييق الخناق عليهم
وتغريمهم وسجنهم ! (17)
ونخلص
بعد هذا الذي تقدم عن التوجه النظري
للإمام ابن باديس في الميدان السياسي إلى
التساؤل عن جهوده العملية
في هذا الحقل ؟
2-
في الميدان العملي :
خامسا
: معالم من المسار السياسي العملي للإمام
ابن باديس
يمكن
القول أن من أبرز من خطا الخطوات الأولى من
الزعماء الوطنيين الأحرار
على درب الجهاد السياسي في أعقاب
الحرب العالمية الأولى، إنما هو الأمير
خالد (1875/1936) الذي ظهر
على رأس الواجهة
الوطنية في
أعقاب الحرب
العالمية الأولى،
بعد صدور
إصلاحات (4 فيفري 1919)(18) التي
تظاهر أصحابها نظريا ببعض الإصلاحات.
ويمكن اعتبار جهاد الأمير خالد بهذه
الانطلاقة النواة الأولى للحركة الوطنية
الحديثة في الجزائر(19) وكان المحتل
كعادته يخشى من المواقف الحازمة والأعمال
الجادة، فرأى في حركة الأمير خالد ما يهدد
وجوده، فسارع إلى وأدها في المهد، ونفي
صاحبها خارج
الوطن فمات- رحمه الله - في منفاه
ببلاد الشام الشقيقة 1936.
وقد
تراجع المحتل بعد ذلك عن إصلاحات 1919 وأعاد
أحكام (الأنديجينا) وإجراءات التضييق على
الشعب الجزائري ، كما كانت عليه أو أشد(19)، وإذا كان
المحتل قد وضع حدا لهذه التجربة الوطنية
الرائدة في هذه الفترة ، فإن جهاد الشعب
الجزائري لم يتوقف بتوقفها، وإنما تواصل
في أشكال عديدة .
وكان
ابن باديس من بين أبرز من أخذ مكانه من
الزعماء الوطنيين في هذا التواصل على نهج
الأمير خالد متصديا للمخطط التغريبي،
منافحا عن الحقوق الوطنية، آخذا بأيدي
الشعب إلى أسلم المناهج، وأنجح السبل
للمطالبة بها، والذود عنها، تامة كاملة.
فمتى
كان منطلق
الشيخ في
جهاده السياسي ؟
و من أين
بدأه ؟ وما
هي أهم المرامي التي
كان يستهدفها
من ذلك ؟
لقد
استهل ابن باديس جهاده السياسي على
نهج الأمير خالد في أواسط العشرينات
من القرن الماضي، وتمركز
نضاله في هذه المرحلة
على توعية أفراد الأمة بواقعهم وحثهم
على النهوض به، والأخذ بأيديهم على طريق
المنافحة عن شخصيتهم، والذود عن حقوقهم،
والتصدي لإجراءات سلطة الاحتلال الظاهرة
منها والخفية، اليمينية منها واليسارية،
وقد كانت هذه السلطة بجميع ألوانها تتنكر
لحقوق الشعب الجزائري وتقف حائلا بينه
وبين بلوغه أهدافه في الحياة الحرة
الكريمة.
وقد
تزامنت انطلاقة ابن باديس في هذا الميدان
مع استلام الجبهة الشعبية – ممثلة في
الأحزاب اليسارية - الحكم في فرنسا، ومجيء
موريس فيوليت حاكما عاما على الجزائر 1925(20).
وكانت هذه الجبهة قد تظاهرت
بإجراء بعض الإصلاحات في الجزائر، كان من
بينها التلويح بمشروع فيوليت ، فماذا عن
ذلك ؟ وماذا عن موقف ابن باديس من الجبهة
الشعبية ومشروع
فيوليت ؟
لقد
ظلت السياسة الفرنسية في الجزائر تسير منذ
الاحتلال تحت حكم اليمين في اتجاه اضطهاد
الشعب الجزائري وحرمانه من جميع
حقوقه، ولما استلمت (الجبهة الشعبية)
الحكم في فرنسا وهي
تتألف من أحزاب اليسار هؤلاء الذين يصفون
أنفسهم بأنهم دعاة عدالة ومساواة وحرية
وأنصار سلام وديموقراطية وإنسانية، توقع
بعض الجزائريين أن السياسة الفرنسية سوف
تعرف على أيدي هؤلاء بعض التغيير مما قد
يخفف على الشعب بعض ما يعانيه من صنوف
الحيف والإجحاف تحت حكام اليمين(21).
وكان
ابن باديس من بين من رأى أن من الحكمة
وسداد النظر التريث في إصدار الحكم على
هؤلاء حتى تتكشف حقيقة برنامجهم من خلال
ما يقدمون على القيام به من خطوات في
الميدان السياسي(22).
وقد كانت الساحة السياسية في الجزائر في
هذه الأثناء مع بداية الثلاثينات قد شهدت
عدة تحركات قامت بها عدة أطراف سياسية .
فكان
من بين ما بادر به اليسار الفرنسي بزعامة
الجبهة الشعبية تعيين السيد (موريس
فيولييت) واليا عاما على الجزائر سنة 1925
فأبدى هذا الحاكم استعدادا ملحوظا للنظر
في المسألة الأهلية خدمة لصالح بلاده ،
فكان نموذجا مميزا عمن سبقه على رأس
الولاية العامة من الحكام الفرنسيين فقد
كان معظم هؤلاء غلاظا شدادا متحاملين،
حريصين على أن يخدموا
مصالحهم الشخصية على حساب هضم حقوق
المستضعفين، والضغط عليهم وامتصاص دمائهم
فجاء (فيوليت) و رأى ـ و هو رجل فرنسي قبل كل
شيء ـ(23)، أن من
مصلحة فرنسا أن يقرب إليها الجزائريين
وهو » لا يحب ما يعرقلهم عن الاندماج
التدريجي «(24)
فأراد أن يخدم بلاده بما يحقق لها هذه
الغاية ، فنهج في سياسته نهجا مميزا خالف
فيه من سبقه من الحكام بما أبدى فيه من بعض
المرونة في معالجة المسألة الأهلية » فكان
من سداد الرأي أن
يقابل الجزائريون هذا التوجه من هذا
الوالي بشيء من المسالمة والترقب إلى أن
يصدر من هذا الحاكم
ما يستلزم إعادة النظر
في سياسته(25)،
فحاول هذا الحاكم أن يصوغ برنامجه
السياسي في مشروع عرف باسمه (مشروع
فيولييت) شرح فيه للرأي العام الخطوط
العريضة لسياسته الاجتماعية والاقتصادية
التي ينوي الوصول إليها في الجزائر. فما هي
أبعاد هذا المشروع ؟ وما صداه في نفوس
الجزائريين والمستوطنين الفرنسيين ؟ وما
موقف ابن باديس منه ؟
إن
أهم مـا ينص عليه هـذا المشروع هو منح
الجزائريين حق التمثيل والانتخـاب وإصلاح
التعليم وإلغاء المحاكم الخاصة(26)
وكـان المستوطنون أصحاب السلطة الفاعلة
قد عارضوه معارضة » بذية ظالمة منكرة «(27)،
لأنهم يرفضون منح الأهالي أبسط حقوقهم (كالتمثيل
والانتخاب) ويترفعون عن الاجتمـاع بهم في
جلسة عـادية، بله أن تجمع بينهم في جلسة
رسمية، طـاولة واحدة هي طـاولة البرلمـان
الفـرنسي. أمـا أعضـاء النخبة من النواب
فقد تلقوا المشروع بالقبول لأنه يلوح بما
ينادي به بعضهم من مساواة وبما يروج له
بعضهم الآخر من اندماج، وعلى كل فقد
انقسموا إلى قسمين :
أما
الأمة فقد قابلته أول
الأمر بالرفض و المقاومة، لما فيه من عدم
التسوية في الحقوق بين الجزائريين و
الفرنسيين ، ولما "فيه
من تهيئة الطبقة المثقفة للاندماج مع
السكوت التام عن
الدين واللغة "(28)
ثم عدل المشروع "فصرح فيه بلزوم
المحافظة على الشخصية الإسلامية«(29)،
والتلويح بدفع بعض الغبن عن الشعب
الجزائري والمساواة بينه و بين غيره في
الحقوق. فقبلته حينئذ الأغلبية في الأمة
"بالشرط المذكور، وباعتباره أقل
المطالب "(29) وذلك "" كخطوة
أولى فقط يجب بعد تنفيذها أن يقع الإسراع
في بقية الخطوات إلى تحقيق التساوي التام
العام "(30)، أما الأقلية
فقد أبت
قبوله تماما لأنها تخشى بعض الألاعيب التي
لا تدري متى تكون "ونحن نحترم رأي هذه
الأقلية و نؤمل بقاءها على رأيها "(31).
وقد
قبلت الأمة هذا المشروع للاستناد عليه في
كفاحها من أجل المطالبة بالحقوق الوطنية
التامة والمحافظة على الشخصية وحمايتها
مما يهددها من مكائد التجنيس والاندماج
وما "حاز القبول الذي حازه إلا لما فيه
من التصريح بالمحافظة على الحالة
الشخصية، مع أن ما فيه، إنما هو نزر قليل
جدا من الحقوق المطلوبة "(32) وذلك
لأنه لا يحقق إلا مطلبا واحدا (حق الانتخاب)
من المطالب التي ستتقدم بها الأمة مستقبلا
إلى المؤتمر الإسلامي سنة 1936 .
ويزعم
بعض الدارسين أن ابن باديس كان موزع الرأي
متعدد المواقف من سياسة الجبهة الشعبية
ومن هذا المشروع بوجه خاص(33). بيد أن
الواقع يفند هذه المزاعم، ويؤكد أن موقف
ابن باديس من الجبهة الشعبية ومشروع (فيوليت)
كان ثابتا، وإن تلون ببعض ما تمليه بعض
الظروف منذ الوهلة الأولى وفي جميع
المراحل ، ولم يتأثر فيه كعهده
في جميع مواقفه لا باليمين ولا
باليسار، وإنما الذي حركه وكان يحركه
دائما إنما هو غاية واحدة هي المصلحة
العليا للأمة الجزائرية، غيرة
على شخصيتها، و ذودا على حقوقها
وجهادا من أجل ترقيتها ، فهذه المصلحة
هي التي تملي عليه أن يقف هذا الموقف أو
ذاك وهي التي تدفعه ليقبل ما يقبل
ويرفض ما يرفض، ولذلك فقد قابل هذا
المشروع أول الأمر بالرفض ، لما فيه من عدم
التسوية في الحقوق والسكوت عن الشخصية
والتمهيد لما يهددها من أخطار التغريب
والاندماج، ثم عدل المشروع وصرح فيه
بالشخصية(34)
فقبله حينئذ كمحاولة أولى لفك الحصار
المضروب على الجزائر من طرف غلاة
الاستعمار للحيلولة بينها وبين إيصال
صوتها ـ مطالبة بحقوقها ـ إلى السلطات
العليا بباريس والتأكيد على تمسكها
بشخصيتها والوقوف في وجه تلك المحاولات
الرامية إلى النيل منها .
و
يتقدم المشروع سنة 1935(35) أمام
مداولات البرلمان الفرنسي وقد أصبح يسمى (مشروع
بلوم ـ فيوليت)(36) ويقابل بالرفض
ولعل مرد ذلك إلى الأسباب التالية :
1-
المستوطنون الفرنسيون يعارضون المشروع
معارضة شديدة ويرفضون منح الأهالي أبسط
حقوقهم في التمثيل و الانتخاب .
2-
البرلمان الفرنسي يرفض الموافقة على منح
الجزائريين بعض حقوقهم مع محافظتهم على
شخصيتهم(37).
3-
الجزائريون يصرون على المحافظة على
شخصيتهم ولا يبغون بها بديلا .
وتصادمت
هذه النزعات وتلاقت جميعها على إسقاط
المشروع و دفنه و إبعاده عن الساحة
السياسية الوطنية نهائيا، ويبدأ
الجزائريون من بعد ذلك أولى خطواتهم في
مسيرتهم النضالية على طريق جديد.
وخرج
الإمام من تجربته مع السلطة يمينا ويسارا،
من أنه لا هذه و لا تلك، مستعدة أن تتراجع
عن غيها وترفع مظالمها عن الشعب وتمنحه
حقوقه، وذلك لأن الاستدمار ملة واحدة
وأن لا سبيل ينقذ الأمة من آثاره ويحقق
لها رغباتها في التحرر والانعتاق، إلا
اعتمادها على الله ، ثم تقبل على نفسها
فتغير ما بها، فترمي بأساليب عملها
البالية، وتدخل مرحلة جديدة من جهادها .
ومن
هذه القناعة دعا ابن باديس إلى انعقاد
المؤتمر الإسلامي سنة 1936، وخاض تجربته
متصديا لما يحاك ضد الأمة من دسائس،
منافحا عن الشخصية، مدافعا عن الحقوق
فماذا عن هذا المؤتمر ؟ وماذا عن موقف
جمعية العلماء منه ؟ وكيف تتبدى صورة ذلك
من خلال آثار الإمام ؟
سادسا
: تجربة الإمام ابن باديس في
المؤتمر الإسلامي 1936 :
لقد
انبثقت، فكرة المؤتمر الإسلامي سنة 1936
من مبدأ المحافظة على الذاتية والذود
عن الحقوق الوطنية بغرض الوقوف في وجه
مختلف المناورات التي ما فتئ أوارها يشتعل
طوال فترة الاحتلال، مستهدفة النيل من
مقومات الشخصية والحقوق الوطنية، فما هي
الظروف والملابسات السياسية التي كانت
تخيم على الساحة الوطنية
في هذه المرحلة ؟ ومن كان وراء هذه
الدعوة إلى المؤتمر ؟ وما هي أبرز العوامل
التي دفعت إليه ؟ ومن هم المشاركون فيه ؟
وما هي المطالب والنتائج التي أسفرت عنها
أشغاله ؟
1ـ
الملابسات والدوافع : كانت الساحة
السياسية في الجزائر مع بداية الثلاثينات
قد عرفت بعض المستجدات وشهدت تحرك عدة
أطراف لأغراض مختلفة ، فكانت السلطة
الحاكمة بقيادة الجبهة الشعبية التي
استلمت الحكم في فرنسا في هذه الأثناء
تلوح ببعض الإصلاحات، وكان المستوطنون
الذين أبدوا معارضة شديدة لهذه الإصلاحات
يرفضون مجرد التفكير في منح الشعب
الجزائري أبسط الحقوق على أيديهم ، أمـا
أعضاء النخبة
الجزائرية فكانوا في هذه الأثناء يتحركون
في اتجاه المطالبة بالمساواة في بعض
الحقوق (التمثيل والانتخاب)
منخدعين بما يلوح في الأفق السياسي من
مظاهر كاذبة تختفي من ورائها أفكار
التغريب والتفرنس .
أما
أعضاء حزب النجم فقد تحفظوا على سياسة
الجبهة الشعبية و أبدوا مخاوفهم من
نتائجها على مستقبل الوطن(38).
أما أعضاء جمعية العلماء الجزائريين فقد
رأوا أن يقفوا موقفا وسطا من هذا الموضوع،
فلم يجاروا السلطة في مزاعمها ولم يرفضوا
التعامل معها في الوقت ذاته، و رأوا أن في
كلا الموقفين خطرا على المصلحة الوطنية ،
ذلك أن المجاراة غير الحكيمة قد تمنح هذه
السلطة بعض المصداقية التي ظلت تفتقر
إليها طوال فترة الاحتلال، كما أن التزام
الغياب عن الساحة السياسية في هذا
الوقت يترك المجال فارغا أمام المحتلين
فيصلون إلى أهدافهم من خلال ما يبثونه ضد
الوطن حقوقا و مقومات. وهذا ما يفسر القرار
الحكيم الذي اتخذه ابن باديس بدعوته إلى
انعقاد المؤتمر(39) لجمع كلمة الأمة
وتوحيد صفوفها حول المسألة الوطنية،
والتصدي لما يخطط له المحتلون، ويقوم به
بعض الجزائريين تنفيذا لمخططات السلطة من
ترويج لسياسة التغريب ، ونشر أفكار
الاندماج، والتساهل في شأن الذاتية، وقد
التقى على طاولة هذا المؤتمر : أعضاء
النخبة، و العلماء، والشيوعيون،
وقاطعه حزب النجم .
وقد
حرص العلماء على أن تكون قاعدة العمل
والنقاش في جلساته متركزة على مبدأ لزوم
المحافظة على الشخصية وقد اعترف بعض
النواب في البرلمان الفرنسي بأن هذا الشرط
من اقتراح العلماء بل ذهب بعضهم إلى أبعد
فجعل ذلك من تعصب ابن باديس(40) مما
يوضح أن مشاركة الحركة الباديسية في هذا
المؤتمر، إنما كان غير مرغوب فيها من طرف
المحتلين، وذلك لإدراكهم أن ذلك، إنما كان
من أجل حماية الذاتية والتصدي لما يحاك
ضدها من مكائد (41)
لقد
ظلت السلطة منذ الأيام الأولى للاحتلال
تحاول رغبا ورهبا النيل من
مقومات الهوية الوطنية و ظهر مع الأيام تيار
يتألف معظم أصحابه من خريجي المدرسة
الفرنسية هؤلاء الذين
ضعف في نفوسهم الشعور بعز الانتماء
إلى الملة الإسلامية والأرومة العربية(42)
فتبنى بعضهم سياسة الاحتلال وراح يدعو إلى
التخلي عن الأحوال الشخصية وينادي
بالاندماج، وتضاعف نشاط أصحاب هذا التيار
لما يدعون إليه مع مجيء الجبهة الشعبية
إلى الحكم في فرنسا وتلويحها بإجراء بعض
الإصلاحات في الجزائر، فانخدع بعضهم
بسياستها وظنوا أنهم واصلون إلى بعض
مطالبهم (الانتخاب والتمثيل) ولو أدى بهم
ذلك إلى التضحية بالهوية(43)، وكان
الاحتلال قد حاول أن ينفرد بهؤلاء ويجرهم
وحدهم إلى الحوار معه ليصل على أعينهم وعن
طريقهم إلى مآربهم، وكانت الحكمة تقتضي
أمام ذلك أن يتحرك من يمثل الأمة حق
التمثيل للحيلولة بين المحتلين، وبين ما
يهدفون إليه بانفرادهم
بهؤلاء كممثلين للأمة ، وهم في الواقع
لا يمثلون إلا أنفسهم .
وكان
الوعي بهذه الحقيقة قد جعل أعضاء الحركة
الباديسية يرون أنه ليس من المنطق الوقوف
موقف المتفرج أمام ما تضطرب به الأجواء
السياسية من غيوم محملة بالمجهول، كما أنه
ليس من الطبيعي أن يتم التحاور في شؤون
الأمة بين المحتل وبين النخبة و هم أقلية،
في غياب أعضاء جمعية العلماء وهم يمثلون
الأغلبية(44)، كما كان هؤلاء أي أعضاء
الجمعية يشعرون أن ضخامة الواجب وعظمة
المسؤولية التاريخية، وحسن التعامل مع
الأحداث، إن هذا كله يفرض عليهم الدخول
إلى هذا المعترك ذودا عن المصلحة العليا
للأمة(45).
كانت
هذه القناعة من أبرز العوامل التي دفعت
بالشيخ ابن باديس إلى المشاركة في هذا
المؤتمر تحسيسا للأمة لما يحاك ضد شخصيتها
من مكائد، وحرصا على جمع كلمتها وتوحيدا
لقواها الفاعلة في الساحة السياسية، بهدف
مواجهة مؤامرة الاندماج والمحافظة على
الذاتية بموقف
واحد و رأي واحد ، و سعيا للحوار لا لمجرد
الحوار(46)
وإنما من أجل كسر ما اصطنعه (الأنانيون
والانتفاعيون ) بمساعدة حكام الولاية
العامة من حواجز للحيلولة بين الجزائر ،
وبين إيصال صوتها- مطالبة بحقوقها-
إلى السلطات العليا في باريس(47)،
و قد سبق أن نادى ابن باديس بتكسير هذه
الموانع منذ وقت مبكر في تعليقه على خطاب
وزير الداخلية الفرنسي سنة 1926(48) وها
هو ذا يعود ثانية ليؤكد على ذلك بعد عشر
سنوات» إننا لا نزال ـ رغم القرن ـ مجهولين
عند الأمة الفرنسية مجهولة
مقاصدنا الشريفة السلمية المتركزة على
روح الحق و الإخاء والإخلاص، فنريد أن
تعرفنا وجها لوجه وتفهمنا فهما يقطع لسان
كل أفاك أثيم «(49)، وإن ابن باديس
بمشاركته في هذا المؤتمر ودخوله بقوة
معترك السياسة عبر منبره
لم يتخل بذلك عن منهجه الإصلاحي. و
إنما رأى أن المصلحة العليا للأمة كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين
تقتضي في هذه المرحلة أن يزاوج بين هذا
المنهج و بين المنهج السياسي في وقت واحد(50)
وكانت مشاركته هذه مساهمة ظرفية، وإضافة
ضرورية اقتضاها الصالح العام ، ولم تكن من
شأنها أن تعرقله في عملية مواصلة جهاده في
بقية أهداف مشروعه الأخرى : الدينية و
الاجتماعية وغيرها التي أوقف حياته
عليها، وما استطاع أن يشغله
عن النهوض بها غيرها(51).
وفي
الواقع فإن انشغال ابن باديس بالعمل
السياسي يرجع إلى وقت بعيد يمكن تحديده -
كما سبقت الإشارة - ببداية مرحلة دخوله
معترك الحياة العملية في أعقاب الحرب
العالمية الأولى، ولكنه لم يكن يريد
الإشهار بذلك، كما لم يكن يعطي لذلك كليته
التامة لأنه كان
يؤمن، أنه لاشيء أجدى على حركته من الخطة
الدينية الروحية الفكرية، وأن العمل
السياسي بمفهومه الشكلي (كراسي ونيابات
ومكاسب وامتيازات) إثمه أكبر من نفعه(52)،
وقد يجر على حركته و هي في بداية عهدها بعض
المخاطر ولهذا كان يركز في هذا المضمار
على ما يخدم مصلحة الأمة، بالتأكيد على
مطالبها في الدين واللغة، وعلى حقوقها في
العدالة و الحرية(53)، وسيتحرك بقدر
واضح من الحذر والحيطة، و بأسلوب فيه غير
قليل من الحكمة و الوعي بالظروف
المحيطة به،
و لما أحس أنه مكن ـ بعض التمكن ـ لمشروعه
على أرضية الواقع، وفي سلوك الناس روحيا
وعقليا، واطمأن على مسير حركته بعض
الاطمئنان، شرع في تطوير نشاطه السياسي
تدريجيا إلى أن توج ذلك بمشاركته في
المؤتمر الإسلامي والصدع من على منبره
برأيه في المسألة الوطنية ، هذا الرأي
الذي لم يستطع أن يبوح به قبل أن يحين
آوانه .
وقـد
برهن ابن باديس بمساهمته هذه، في هذا
المؤتمر، وحسن توجيهه لأشغـاله عما يتميز
به من حنكة سيـاسية، و بعد نظر، و وعي عميق
بملابسـات الواقـع، ومجريـات الأحداث من
حوله .
وماذا
يمكن أن يتصور المرء المسار الذي سيؤول
إليه المؤتمر لو لم يول ابن باديس هذه
التظاهرة السياسية ما تستحقه من متابعة
ومواجهة، ولم يشارك هو وصحبه في أشغالها،
و وقفوا منها موقف المتفرج، وهم يمثلون
أغلبية الأمة، وتركوا ذلك للنخبة
والشيوعيين وهم أقلية في المجتمع ؟ ترى
مـاذا عسى أن يترتب من نتـائج لو سلك ابن
باديس وصحبه هذا المسلك ؟
لاشك
أن المجال في هذه الحال سيخلو للاحتلال
فينفرد بالمشاركين في المؤتمر، فيصل على
أعينهم وبمباركتهم إلى ما يشاء من أهدافه،
و يبلغ بذلك من دون كبير جهد إلى مراده،
فتهدر الحقوق، وتضيع الهوية، وتكون هذه
النهاية ، شهادة على أن الجزائريين
تنازلوا في مجتمع عام لفرنسا
على شخصيتهم وحقوقهم، ويسجل التاريخ
بذلك أن الجزائر، إن هي إلا كما صورها
المحتلون وضحاياهم بشعاراتهم المعروفة
المتنكرة لأصالة الجزائر: ملة، وأرومة
وحضارة .
وهل
يحسن بمن ظل طوال حياته جنديا يذود عن
الأمة : وجودا و هوية ، أن يسمح لأعدائها
بأن يصلوا إلى ما لم يستطيعوا أن يصلوا
إليه طوال أيام احتلالهم البلاد ؟ و هل من
الحكمة و سداد الرأي أن يلتزم الصمت و
الحياد في مثل هذه الظروف من عرف
بالمجاهرة بالحق، و مدافعة الباطل في جميع
مواقفه ؟ و كيف يفعل ذلك من اتخذ الإسلام ـ
و هو دين الحق و التغيير والثورة ـ مهيعا
له في جميع مراحل حياته ؟
و
لعله أصبح من الواضح بعد، أن هذه المشاركة
في المؤتمر، قد كانت ضرورية، لا رغبة في
الاحتراف بالسياسة الشكلية، و إنما كان
ذلك على غيرة عن المصالح العليا للأمة.
2
ـ المطالب :
يحسن
التساؤل بداية عن أهم المطالب العامة التي
تقدم بها المشاركون في المؤتمر وجرى
النقاش حولها في جلساته ؟ وهل كانت واحدة
أو متنوعة ؟ وما هي مطالب جمعية العلماء
بخاصة ؟
يمكن
الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن المطالب
الوطنية كانت متفرقة فبل المؤتمر وكان
يتقدم بها إلى السلطة أفـراد لا تجمعهم
حركة منظمة وكانت هذه المطالب تقابل دائما
بالرفض طوال حكم اليمين بفرنسا و لما جاء
حكم اليسار في باريس رافعا شعار المساواة
والديمقراطية، متظاهرا بإجراء بعض
الإجراءات بالجزائر، توجهت الأمة في
مؤتمرها بمطالب عامة مشتركة، سياسية
واجتماعية واقتصادية و غيرها(54).
ويحسن
التفريق بين المطالبة ببعض الحقوق العامة
(مطالب النخبة) التي يمكن إجمالها في
المطالبة بالمساواة في الانتخاب
والتمثيل، ورفع جميع الأوضاع الخاصة
والأحكام الجائرة(55). وبين مطالب
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي
تؤكد إلى جانب تلك المطالب السابقة على ما
يلي :
1-
اعتبار العربية لغة رسمية .
2-
فصل الدين عن
الدولة ( تسليم المساجد للمسلمين ) .
3-
تأسيس كلية دينية لتعليم الدين الإسلامي و
لسانه العربي .
4-
استقلال القضاء(56).
و
قد دخلت الحركة الباديسية هذا المؤتمر لا
رغبة في السياسة الشكلية، و إنما ذودا عن
هذه المطالب ولأجل ذلك دعا ابن باديس
الأمة إلى الالتفاف حول هذه المطالب
والتمسك بها، ورفض كل بديل عنها » وإنمـا
وقفت الجمعية في مؤتمر الأمـة تضع مطـالب
الدين واللغة وشروط المحافظة على الجنسية
والشخصية ومثلت ذلك كله بلسانها و هيئتها
أصدق تمثيل «(57) وقد أدرك دعاة
الاندماج حينئذ أن هذه المطالب الباديسية
ستفسد عليهم خطتهم ويبقون وحدهم في
الميدان(58).
وإذا
كان الباحث قد لاحظ -وهو يتصفح آثار الإمام
ابن باديس وينعم النظر في مواقفه - أن
نضاله قد تركز في بداية حركته على التمكين
للمقومات الشخصية والمنافحة عنها
والمطالبة بالمساواة بين الشعب الجزائري
وبين غيره في الحقوق الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية . ونحسب أن
الذي يقيم ذلك بعين الموضوعية
والإنصاف يعتبر هذا التوجه من ابن باديس
في تلك الفترة المبكرة من جهاده وعيا
سياسيا سديدا من الإمام وتقديرا حكيما
للظروف الموضوعية المحيطة به وتقويما
راشدا للتحديات والملابسات التي تكتنف
الحياة الوطنية يومئذ والإمكانات الذاتية
المحدودة، فالشيخ في بداية طريقه وما تزال
أفكاره لم تنتشر في وسط الأمة بالقدر الذي
يجعلها تعي أبعاد حركته، فتقف إلى جانبه
تؤازره وتعضده و تحميه، بينما يقف المحتل
في الضفة المقابلة بالمرصاد لأي صوت
يريد أن يوقظ النائمين و يمسح عن جفونهم
عتمة الليل البهيم، ويحدو قافلتهم على
طريق الفجر الجديد، فكان هذا الوعي بهذه
الظروف يقتضي من ابن باديس، ومن كل زعيم
سياسي حكيم أن يراعي هذه الملابسات، فنهج
الشيخ لذلك في جهاده السياسي نهجا قويما
لم يعمد فيه إلى مخاطبة المحتلين ابتداء ،
وإنما كان ينطلق فيه من التعليق على خطب و
تصريحات الحكام المتعلقة بشؤون الجزائر و
الجزائريين مستخدما في ذلك أسلوبا مرنا يقوم على
الاحتكام إلى المنطق و إلى حقائق التاريخ
و أحداث الواقع، فيعقب على آرائهم موازنا
بين ما يدعيه أصحابها من مبادئ و ما
يرفعونه من شعارات و
بين ما يعاني منه الشعب الجزائري على
أيديهم من مظالم ومناكر، فهم يزعمون أنهم
إنسانيون أصحاب حضارة يعطفون على الشعوب
المستضعفة ويدافعون عن حقوقها و يعملون
على ترقيتها، و هل يطلب الشعب الجزائري من
هؤلاء الغزاة شيئا غير استعادة حقوقه
المغتصبة وحريته المهدورة
؟
إنه
لا يطلب من هؤلاء الذين احتلوا أرضه، و
انتهكوا حريته، واستباحوا حرماته، وسلبوا
خيراته و تركوه نهبا بين مخالب الجهل
والفقر والحرمان ، إلا أن يكفوا عنه
مظالمهم ويعطوه حقوقه، ويعاملوه بميزان
ما يرفعون من شعارات، وما يزعمون من مبادئ
« إن الأمة الجزائرية
قامت بواجبها في أيام عسرها ويسرها ، ومع
الأسف لم نر الجزائر نالت على ذلك ما يصلح
أن يكون جزاءها ، فنحن ندعو فرنسا إلى ما
تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية (الحرية
والمساواة والأخوة)(59).
وقد
كان ابن باديس بهذا المنهج يهدف في حقيقة
الأمر إلى غاية واحدة - كما ينص على ذلك بعض
الدارسين- هي تحرير الوطن من نيل الاحتلال
الأجنبي(60). وذلك عن طريق المنافحة
عن مقومات الاستقلال الشخصي كمقدمة على
طريق الاستقلال السياسي .
وإن
الذي يعود إلى آثار الإمام يمكنه أن يتأكد
من هذه الحقيقة السالفة من خلال كثير من
مواقفه وغير قليل من أعماله التي كان قد
تغنى فيها بالحرية منذ وقت مبكر (1925)، كما
أبرز أهميتها في حياة الإنسان وغيره من
الأحياء ،ولنستمع إلى الإمام وهو يبسط
موضوع الحرية ويوضح حاجة الإنسان إليها
بهذه الموازنة ما بين حاجة الإنسان وحاجة
النبات إليها، فكما أن النبات لا ينمو »
ويزهو إلا إذا كان في نطاق واسع من الفضاء
والهواء والمنبت يجد فيه الحرية للنمو
والازدهار، وبقدر ما يضيق نطاقه يكـون ما
يصيبه من اليبس والذبول، هكـذا الإنسان،
تنمـو مداركه، وتتجمد، وتقوى إرادته
وتضعف، وتحسن أعماله وتقبح، بقدر ما يكـون
له من الحرية الصحيحة في الحياة، فلهذا
كـان الإنسان ـ شعبا و فردا ـ متعشقا
للحرية بطبعه لأنها شرط كماله «(61).
ويعود
إلى الحديث عن الحرية بعد أقل من سنة من
تاريخ نشر مقاله السابق ، وذلك في الرابع
عشر من شهر جوليت 1926 ، يوم ذكرى الثورة
الفرنسية 1789 . فيعمد إلى تذكير المحتليين
بهذه المناسبة ـ وهم يحتفلون بعيد حريتهم
ـ ما عليهم من حقوق غيرهم في هذا المطلب
الإنساني فإذا كانوا هم يحتفلون
في هذا اليوم رمز الحرية عندهم ، فإن
سواهم ما يزال يرسف في أغلال العبودية على
أيديهم ، مهضومة حقوقه
بقوانينهم الظالمة ، منتهكة حريته
بسلطانهم الجائر، محروما من أبسط حقوقه في
الحياة الحرة الكريمة .
وكان
على الباحث أن ينتظر زهاء عشر سنوات حتى
يلتقي بابن باديس مع وقفة أخرى عند موضوع
الحرية وكان ذلك في خطابه الذي ألقاه في
أعقاب المؤتمر الإسلامي (أوت 1936) وقد أعرب
فيه ـ بما يفسر أهدافه من هذا المؤتمر ـ عن
حب الشعب الجزائري للحرية، وتعلق قلوب
أبنائه بها، واستعدادهم للتضحية من
أجلها، حاضرا ومستقبلا » أيها الشعب إنك
بعملك العظيم الشريف (المساهمة في المؤتمر)برهنت
على أنك شعب متعشق للحرية هائما (كذا) بها،
تلك الحرية التي ما فارقت قلوبنا منذ كنا
نحن الحاملين للوائها ، وسنعرف في
المستقبل كيف نعمل لها، وكيف نحيا ونموت
لأجلها «(62).
وتعود
على الإمام ذكرى هذا اليوم من سنة 1939 ،
فيعود إلى التذكير بما وقف عنده من قبل ،
من حقوق الشعب الجزائري في الحرية، هذه
الحرية التي ظل قلبه إلى هذه الأيام
الأخيرة من حياته يفيض هياما بها وشوقا
إليها : » آه ، آه أيتها الحرية المحبوبة ،
واشوقاه إليك بل
واشوقاه إليهم ، المحيا محياهم،
والممات مماتهم ، أنقذ اللهم
بهم عبادك
وأحي بلادك، وألحقنا ـ اللهم بهم ـ غير
مبدلين ولا مغيرين آمين «(63).
وقد
يقول قائل إن ابن باديس طالب بالحريات
العامة وتحدث عنها حديثا عاما . فهل تحدث
عن الاستقلال بمعناه السياسي المعروف ؟
لقد
وقف الإمام عبد الحميد عند معنى الاستقلال
السياسي وألح على تكرار هذه الكلمة
واشتقاقاتها عشر مرات في بضعة أسطر في
مقاله (حول كلمتنا الصريحة) ومما جاء فيه
من ذلك قوله » إن
الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا
وقد استقلت أمم كـانت دوننا في القوة
والعلم والمنعة والحضارة« (64)،
مؤكدا خلال ذلك على
إمكانية استقلال الجزائر مستقبلا وإنها
صائرة بإذن الله إليه، وأن حالتها الحاضرة
ليست بدائمة ثم يعود بعد حوالي سنة إلى
الحديث عن استقلال الجزائر بأكثر دقة
وأكثر تحديدا ، وذلك في معرض التعبير عن
تأييده واحترامه لمن وقف من زعماء الجزائر
(أعضاء حزب الشعب الجزائري) يومئذ موقفا
معارضا من مشروع (فيوليت) متمنيا أن يبقى
هؤلاء الزعماء الوطنيين ثابتين على
مواقفهم ، مصرين على مطالبهم في الاستقلال
يؤكد الإمام على هذه الحقيقة فيقول : »
ونحن نحترم رأي هذه الأقلية ، ونِمن
بقاءها على رأيها وهي تطالب بالاستقلال،
وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال ؟ إن
البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر
طبيعي في وضعية الأمم «(65).
وبهذا
الإيمان الكبير بوعد الله بالنصر لعباده
المؤمنين ، وبهذا الحوار الواضح الصريح
سؤالا و جوابا يؤكد الإمام من أن استقلال
الوطن آت - بإذن الله -
، وبإيمانه العميق بحق وطنه في هذا
المطلب ، قضى حياته مجاهدا في عدة جبهات ،
ولكنها سنة الله في كونه ، إذ لكل حدث
آوانه ، ولكل أجل كتاب . وما على الإنسان
المؤمن إلى أن يتوكل على الله ثم يتخذ
الأسباب ويسير في الطريق الصحيح وفق السنن
في الطريق إلى غاياته وإن الله لناصره وهو متمم وعده
وناصر عبده .
يؤكد
الشاعر محمد العيد آل خليفة هذه الحقيقة
في معرض إشادته بجهود الأعلام المصلحين في
بعث النهضة التي كانت المهـاد لثورة
نوفمبر العظيمة(66) فقد غرس أولئك
الأعلام المجاهدون البذور الأولى لهـذه
الثورة في النفوس وفي العقول وفي السلوك.
وخلف من بعدهم خلف اقتفى الأثر وسار على
الدرب وفجر الثورة وجاد بالتضحيات وضرب
أروع الأمثلة في البطولات وحقق النصر،
ومضى يشيد على أرض الجزائر الحرة الدولة
الجزائرية الحرة المستقلة، يشير محمد
العيد إلى بعض ذلك فيقول :
سلام
على الأعلام ما طاب ذكرهم
وآثارهم في العــلم والعـلم
يخلد
لقد
زرعوا زرعـا فأخرج شطأه
كأخصب محصول لمن هـب
يحصد
وابقـوه
للأجيال ذخـرا مب |