مقومات الفكر الإصلاحي

عند الإمام محمد البشير الإبراهيمي

بقلم الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي
 

الإمام محمد البشير الإبراهيمي : أحد أئمة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، ومن عايشه واستمع إليه خطيباً ومحاضراً ومدرساً ومحدثاً، أو قرأ مقالاته وبحوثه كاتباً مبدعاً، وباحثاً متعمقاً، سواء قرأ ذلك في حياته أم بعد مماته: أدرك تمام الإدراك أننا أمام رجل مصلح يعرف ماذا يريد من إصلاح لوطنه وشعبه وأمته ؟ وكيف الطريق إلى تحقيق ما يريد ؟ ويملك من الأدوات والمؤهلات (العقلية والعلمية والنفسية والخلقية والبيانية): ما يُمَكنه من تحقيق هدفه الذي يصبو إليه.

ولا يستطيع دارس أن يعرف حقيقة الدور الذي قام به الإبراهيمي – العالم المربي المصلح الثائر المجاهد – إلا إذا عرف دور (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) وما قامت به في الجزائر من إحياء لما مات، ومن تجديد لما رث، ومن تجميع لما افترق، ومن بناء لما تهدم، ومن تطهير لما تلوث. وقد كان البشير الإبراهيمي شريكاً مع مؤسس الجمعية، وباني النهضة الجزائرية الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، فقد كان نائبه في حياته، وخليفته بعد وفاته.

وحديث الإبراهيمي عن ابن باديس: حديث الأخ المعجب بأخيه، والمرؤوس المزهو برئيسه، والصديق الوفيّ لصديقه، الذي جعله شيخاً له وإماماً في العلم والعمل والخلق والدعوة والتربية والجهاد.

ومن تأمل في سيرة الإمام الإبراهيمي، وفي تراثه الأدبي والفكري: تبين له بوضوح وجلاء: خطه الإصلاحي، ومنهجه التجديدي.

ونستطيع أن نجمل مقومات الفكر الإصلاحي والتجديدي عند البشير الإبراهيمي في هذه النقاط أو المحاور:

1-   الإسلام والعروبة: أساساً ومنطلقاً.

2-   الوحدة والحرية (أو التوحيد والتحرير): محوراً وهدفاً.

3-   التوعية والتربية: منهاجاً وطريقاً.

4-   العمل الجماعي: ضرورة وشرطاً.

5-   الأمة العربية والإسلامية: ساحة وميداناً

 

1- الإسلام والعروبة:  أساساً ومنطلقاً

كان الإسلام هو المرجعية الأولى، بل المرجعية الوحيدة للإبراهيمي وجماعته وهو أمر طبيعي لا غرابة فيه ولا دهشة منه، بل الغريب أن تكون له مرجعية أخرى غير الإسلام.

فالرجل عالم مسلم، حفظ القرآن منذ صباه، وقرأ الحديث، ودرس التوحيد والفقه والأصول، وسائر علوم الإسلام، ونبغ فيها، وأمسى معلما لها، وداعيا إليها، فلا يتصور منه أن يتخذ مرجعا غير الإسلام.

ولكن ما مفهوم الإسلام الذي يؤمن به الشيخ ويدعو إليه، ويزود عنه شبهات المرتابين وأكاذيب المفترين ؟.

إنه ليس الإسلام الذي شابته شوائب الأزمنة والأمكنة، والأعراف المتباينة، فكدرت صفاءه، وغبشت ضياءه. إنه ليس للإسلام مذهب من المذاهب، ولا طائفة من الطوائف، ولا قطر من الأقطار، ولا عصر من الأعصار. إنه (الإسلام الأول) إسلام القرآن الكريم، والسنة الصحيحة. إسلام الرسول الكريم وصحابته الميامين، وتلاميذهم الأخيار من التابعين.

إنه إسلام القوة لا الضعف، وإسلام التجديد لا الجمود، وإسلام الحرية لا القيود، وإسلام القوة والكرامة، لا الذلة والمهانة ! ولقد حرص الإبراهيمي على أن يبين باستمرار رسوخ الإسلام في الجزائر رسوخ الجبال الشم، وأنه أصل أصول حياتها، وأنه منها بمثابة الروح من الجسد. إذا انفصل أحدهما عن الأخر فمعناه الموت.

يقول في مقالة له : (إن الإسلام في الجزائر ثابت ثبوت الرواسي، متين القواعد والأواسي، قد جلا الإصلاح حقائقه فكان له منه كفيل مؤتمن، واستنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ، وعاد كتابه (القرآن) إلى منزلته في الإمامة فكان له منه الحمى الذي لا يطرق، والسياج الذي لا يخرق)1.  

الإسلام الذي يدعو إليه الإبراهيمي:

وطالما شرح الإمام الإبراهيمي هذا الإسلام العظيم بقلمه الفياض، وعباراته المشرقة، فجلى أسراره، وجسد آثاره، وكشف اللثام عن عقيدته الحنيفية، وعن شريعته السمحة، وعن قيمه الملائمة للفطرة، المهذبة للغريزة، التي تسمو بالإنسان حتى يتميز عن الحيوان.

اقرأ له هذه القطعة، التي يتحدث فيها عن الإسلام دين التحرير، فيقول2 :

إن الإسلام هو "دين التحرير العام"، فنرسل هذا الوصف إرسالاً بدون تحفظ ولا استثناء، لأنه الحق الذي قامت شواهده، وتواترت بيناته، ومن شواهده وشهوده: تلك الأجيال التي صحبت محمداً وآمنت به، واتبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتبعوهم بإحسان.

ونحمد الله على أن العلاقة بين الألفاظ ومعانيها لم تنقطع عند جميع العقلاء من أجناس البشر، والعقلاء هم حجة الله على من سواهم، وما زال الخير يسمى خيراً، والشر يسمى شراً، والفضيلة فضيلة، والرذيلة رذيلة، فالسارق يسرق وهو يعتقد أنه متعد على مال الغير، والمتبع لخطوات الشيطان لا يقول:  رضي الله عن إبليس، وإنما يقول : لعنة الله، وأن هذه لمن أسرار فطرة الله التي فطر خلقه عليها، يواقعون الشر ولا يسمونه خيراً، فيسجلون بذلك الشهادة على أنفسهم، إلا المطبوع على قلوبهم، الفاقدين للشعور، كالذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض. قالوا: إنما نحن مصلحون، وكصرعى التقليد للحضارة الغربية الذين استرقتهم الشهوات فاستباحوا المحرمات باسم الحرية. وكالمسيرين للدول الغربية، أسكرتهم القوة فبغوا على الضعفاء وسلبوا أوطانهم، وسموا بغيهم استعماراً.

إن من الظلم والحيف والغش والفساد في الأرض تسمية الأشياء بغير أسمائها، لأنه قطع للأسباب عن مسبباتها وقد قيل في قوله تعالى: "وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ" [البقرة 27] أن منه قطع الدوالي عن مدلولاتها، وأن أعظم شرور هذه الحضارة الغربية أنها فتحت الباب لهذا النوع من المسخ وشجعت عليه، فأفسدت الفطرة - والضمير الذي سماه محمد عليه الصلاة والسلام - وازع الله في نفس المؤمن والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه كل المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق، وإنما يفهمه على أنه كل إطلاق من تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوى، أو نقل شئ من غير نصابه إلى نصابه، قالت أسماء بنت أبي بكر حينما بعث لها أبوها بجارية تقوم لها بعلف الفرس: فكأنما أعتقني.

الإسلام دين التحرير العام:

حرر الإسلام العقل وجميع القوى التابعة له في النفوس البشرية، والعقل هو القوة المميزة للمتضادات والمتنافرات التي بنى عليها هذا العالم، كالصلاح والفساد، والخير والشر، والنفع والضر، ولذلك جعل مناطا للتكاليف الدينية والدنيوية، وقد يطرأ عليه ما يطرأ على الموازين المادية من الاختلال فيتعطل أو ينعكس إدراكه، والإسلام يعلو بتقدير العقل والفكر إلى أعلى درجة، ويقرر أن إدراك الحقائق العليا في الدين أو الكون إنما هو حظ العقول الراجحة والأفكار المسددة، وأن العقول المريضة والأفكار العقيمة تنزل بصاحبها إلى الحيوانية بل إلى أحط من الحيوانية، ففي القرآن العظيم "لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ"  [الأعراف 179].

ولهذه المنزلة التي وضع الإسلام العقل فيها حماه من المؤثرات والأمراض والعوائق، وأحط دركة يرتكز فيها العقل هي الوثنية، فهي أكبر معطل له عن أداء وظيفته حين لا يسمو إلى الجولان في العوالم الروحية وحين تفتنه بالماديات بظواهرها من طريق الجوارح الحسية.

أعلن الإسلام من أول يوم حربا شعواء على الوثنية بجميع أنواعها، وهي أشد ما كانت سلطانا على النفوس، وتغللا فيها، وإفسادا لفطرة الخير وإطفاء لنورها، حتى اجتثها ومحا آثارها من النفوس والآفاق، وعمر مكانها بالتوحيد، أتدرون السر في تلك الحملات على الوثنية ؟ هو تحرير العقل من نفوذها وسلطانها حتى يواجه أمانة الدين الجديد صحيحا معافى، ويؤدي الوظيفة التي خلق لأدائها، وما هدم أصحاب محمد الأصنام بأيديهم إلا بعد أن هدم محمد الوثنية في نفوسهم، وبعد أن بنى عقولهم من جديد على صخرة التوحيد، ولولا ذلك لما أقدم خالد على هدم طاغية ثقيف.

وحررت الخلطاء بعضهم من بعض بما شرعه الله من أحكام عادلة تقوم بالقسط، وترفع الحيف والظلم، ووقف بكل واحد عند حده، وحفظ له حقوقه.

فحد الحدود بين المرأة والرجل، وبين المحكوم والحاكم، وبين الفقير والغني، وبين العبيد والسادة، وبين العمال وأصحاب المال، وهذه الأنواع من التحرير تناولتها النصوص القطعية من القرآن والأحاديث، واكتنفتها في طلب النصوص مؤثرات من الترغيب والترهيب تزيدها قوة ورسوخا في النفس فأما تحرير المحكومين من الحاكمين فلا مطمع أن يأتي فيه على وجه الدهر ما جاء به الإسلام من شرائع العدل والإحسان والشورى والرفق والرحمة وعدم المحاباة