محمد البشير الإبراهيمي

أمير البيان؛ كرائِم اللّغة وفصاحة اللّسان

أ.د. عبد الملك مرتـاض
رئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة، سابقا
عضو المجلس الإسلاميّ الأعلى
 

«الشيخ البشير الإبراهيمي، قبل أن يكون مفكّراً مصلحاً، وسياسيّاً محنّكاً: كان أديباً شاعراً، وخطيباً مفوَّها؛ عالماً فقيهًا في العربيّة، خبيرًا بأسرارها، متضلّعاً في آدابها وفنونها».

(عبد الرحمن شيبان)

تقدير وتنويه

ما كان أشدَّ سعادتي حين شرّفني بالدّعوة الصديقُ الأديب الأستاذ الهادي الحسني، مفوّضاً عن جمعيّة العلماء، وذلك من أجل الإسهام في أوّل ندوة دوليّة تعقد عن محمد البشير الإبراهيميّ بالجزائر. ولم تكن سعادتي، في الحقيقة، بالدّعوة إلى الحضور وتقديم كلمة عن الموضوع المطروح للمُقادَحة والمحاورة، أقلَّ من سعادتي بمبادرة جمعيّة العلماء المسلمين، برئاسة أستاذي الجليل الشيخ عبد الرحمن شيبان، إلى تنظيم هذه النّدوة الكريمة؛ ذلك بأنّ هذا الرجل الكبير لَمّا  يتبوّأْ مكانته الحقيقيّة، في رأينا، في مجالات الفكر والإصلاح والأدب ما هو حقيق به في حياتنا العامّة. وقد تعود العلّة إلى أنّنا نحن الجزائريّين لم يَهَبْنا اللّه أَلسنةً تُجيدُ مدْحَ الرجال، ولو كانوا أهلاً للمدح والتقدير؛ فكلّ عبقريّ جزائريّ يوشك أن يَغْتَمِرَ في الظلام! وإلاّ فكيف يمضي على وفاة أكبر أديبٍ عرفتْه الجزائر طوال القرن العشرين أربعون عاماً، دون أن تُنظَّم عنه ندوةٌ كبيرة تليق بمكانة هذا الفذّ العملاق. وأسوأُ من ذلك سُوءاً، أنّه لا دَيّارَ فكّر في أن يسمِّيَ باسمه جامعةً من الجامعات المنبثّة في معظم الولايات... بل وقع الاجتزاءُ بإطلاق اسمه على بعض الشوارع الصغيرة، والمدارس المغمورة! وقد وَدِدْنا لو أنّ هذا الرجُلَ نُزِّل منزلته الفكريّة في حياتنا العامّة، لأنّ في تَبْوِئَتِه ذلك إنّما هو تبوئَةٌ لمنزلة شعبنا بين الشعوب... فليس الرجالُ العظماء قِطعَ غِيَارٍ تَتْلَفُ فنعوِّضَها بأصْنائها، ونبدّلَها بأمثالها؛ ولكنّهم فلَتاتٌ من الدّهر لا تمثُل في التاريخ إلاّ لِماماً...

والحقّ أنّي كنت كتبت عن الإبراهيميّ كثيراً حتّى أصبحتُ إبراهيميًّا، أو كدت... غير أنّه لم يُتَحْ لي أن أتوقّف قطّ لدى خصائص النسْج اللّغويّ في كتابته على حدَة، وفي دراسة مخصوصة، فيما عدا «رواية الثلاثة» التي كنت كتبت عنها بحثينِ اثنينِ1؛ فواتتْ هذه النُّهْزةُ ، اليوم، لأُعيدَ شيئاً من العرْض والتّطْريَة لسيرة الكتابة الأدبيّة الرّفيعة عند أمير البيان، ومفخرة الجزائر عبر الأزمان، محمد البشير الإبراهيميّ...

والشكور الحميم كلُّه يُزْدَجَى إلى الذين تكَأَّدُوا التّأْوِيبَ في الْحُزُون والشِّعاب، وأرِقُوا في اللّيالي الدَّآدِ، في هيئة جمعيّة العلماء، ابتغاءَ تنظيمِ هذا اللّقاء الكبير.

وقد ارتأينا أن نتوقّف لدى نماذجَ قليلةٍ يسمح بعرْضها الحجمُ الْمُفَرَّدُ لهذه الدراسة، وهي:

أوّلاً: مذهبُ الإبراهيمي في الكتابة ؛

ثانياً: لغةُ السعادة والسرور لدى الإبراهيميّ ؛

ثالثاً: لغة الحزن والشَّجَن لدى الإبراهيمي ؛

رابعاً: لغة السخريّة والغضب لدى الإبراهيمي.

فلعلّ تكلُّفَنا تحليلَ طائفة من اللّوحات الفنّيّة من كتابة الشيخ ، في هذا المقام، أن تقدّمَ صورة مصغّرة لخصائص الكتابة الأدبيّة لديه. ولْيَعْذِرْني الشيخ الجليل إذْ لم أَسْطِعْ تقديمَ إلاّ غيْضٍ، من فيْض؛ ونُطْفة، من لُجّة؛ ممّا كان ينبغي لي أن أقدّمه عنه، وأن أعطِّرَ ذِكْرَه به؛ فهو جهْدُ الْمُقلّ! «غير أنّ قليلنا لا يقال له قليل»، على حدّ تعبيره...

         أوّلاً. مذهب الإبراهيمي في الكتابة

لم يكن محمد البشير الإبراهيميّ يكتب ما يكتب بمعزل عن تمثُّل أسُسٍ وضعَها لتُفرِّدَ طريقته في الكتابة الأدبيّة، وتُميّزَ أسلوبَه في نسْج اللّغة؛ فكان يمضي عليها في زَخْرفَة القول، وتَحْلِيَةِ الكَلام، فلم يكن يكاد يتجَانَفُ عنها فتيلاً. ولعلّ ذلك أن يبدُوَ من خلال أسلوبه في الكتابة الذي لم يكن يتغيّر أو يتبدّل مهما تكن الموضوعاتُ المعالَجة، والقضايا المتناوَلة؛ فسواءٌ عليه أكان يكتب عن قضايا اجتماعيّةٍ، أم سياسيّة، أم أدبيّة، فإنّ مستوى اللّغة ظلّ لديه هو هو، كما أنّ طريقة النسج باللّغة الرّفيعة ظلّتْ هي هي؛ حتّى إنّ الخبير بالأسلوبيّات يدرك بسهولة إذا قرأ نصّا غير معْزُوٍّ إليه، أنّه لمحمد البشير الإبراهيمي، لا لِسَوائه من الكتّاب. وأكبر أَمَارةٍ على عظمة المنزلة الأدبيّة لكاتب من الكتّاب، أنّه حين يغتدي معروفاً بأسلوبه بين الناس فتراهم يقولون: هذا أسلوب فلان، أو شبيه بأسلوبه، إذا حاكاه مُحَاكٍ في الكتابة، كشأن أبي عثمان الجاحظ، وبديع الزمان الهمذاني، وابن الخطيب الأندلسيّ، وسَوائِهم من عماليق البيان العربيّ الآسِر.

 ولذلك نقرأ في «البصائر» الثانية كثيراً من المقالات، غيرَ معزُوَّةٍ  لأيّ كاتب، فنعرف أنّها كانت لمحمد البشير الإبراهيمي، ولو لم يوقّعها باسمه؛ لأنّ نسْج اللّغة المتفرّدَ هو الذي كان يدلّنا على انتمائها إليه، ولو دُسّتْ لِكاتب آخرَ، على سبيل المغالَطة أو على سبيل التّمويه، لكنّا قضَيْنا، حتماً، بأنّها ما كانت إلاّ من بناتِ عُذْره. وإنّما ندرك ذلك من طبيعة كرائمِ اللّغة المنتقاة، ومن سحْر النسج الأسلوبيّ الْمُسْتَمِيزِ بشدّة الحركة، ورِفْعة اللّغة، وجمال الإيقاع، وتقابُل الجمل متسلسلةً منسابةً كالماء الزّلال، الصادر من الينبوع الثّرثار، لدى عرْض الألفاظ وتركيبها...

ونحن نعتقد أنّ الإبراهيميّ، بما أُتيح لذاكرته من عُلُوقٍ مُدْهِشٍ بغريب العربيّة وألفاظها البعيدة عن التناوُل اليوميّ، لم يكن يصطنع في كتابته من تَالِكَ اللّغةِ المخزونةِ في ذاكرته العجيبة إلاّ نسبةً ضَئيلة قد لا تُجاوزُ الرُّبع ممّا يختزن؛ وذلك لإدراكه بأنّه لو استعملها كلَّها، كما كانت عالقةً بحافظته، لَمَا كان فهِمَ عنه كتابتَه إلاّ قليلٌ من المتلقّين، حتّى لا يقالَ عنه: لِمَ لا تكتُبُ ما يُفْهم؟...

ويثْبُتُ هذا الافتراضُ حين نستخلص من نصّ كتبه الإبراهيميّ، عن كثرة محفوظه من الشعر الجاهليّ عرَضاً، وهو في سنّ الثانية والعشرين.2 فلقد ذكر الشيخ أنّه التقى بالعلاّمة الشنقيطي، والشيخ عبد العزيز الرشيد الكويتيّ بالمدينة المنوّرة، فظلّوا شهراً كاملاً بها لا يفترقون إلاّ للنوم، قائلاً: «وكنّا للأُلْفة التي انعقدتْ بيننا، نتجاذب أطراف الحديث من مسابقات في حفْظ الشعر الجاهليّ...».3 ولنتمثّلْ رجُلاً يسابق أحمد أمين الشنقيطيَّ في حفظ الشعر الجاهليّ وهو في ريْعان الشباب!...

وكان الإبراهيمي كثيراً ما يُهيب بالكتّاب الجزائريّين أن يَشْمَخِرّوا، ولو قليلاً، بلغتهم وأساليبهم، حتّى يكونوا في مستوى أسلوب «البصائر» ولغتها، أو قل على الأصحّ: في مستوى أسلوب محمد البشير الإبراهيمي ولغته، ولكنْ هيهات! ولذلك نُلفيه يحدّد لكتّاب «البصائر» مجالَين اثنين يضطربون فيهما، فمن خرج عنهما أسَفّ وتدنّى، فيقول:

«للبصائرِ طرَفان: أعلى، وهو معْرِض العربيّة الرّاقيةِ في الألفاظ والمعاني والأساليب. وهو السُّوقُ الذي تُجلبُ إليه كرائمُ اللّغة من مأْنوسٍ صيّره الاستعمال فصيحاً، وغريبٍ يصيِّره الاستعمال مأنوساً؛ وهو مَجْلَى الفصاحة والبلاغة في نمطهما العالي. وهو أيضاً النموذج الذي لو احتذاه الناشئون من أبنائنا الكتّابِ لفَحُلَتْ أساليبُهم، واستحكمتْ ملَكاتُهم، مع إتقان القواعد ووفْرة المحفوظ. ولهذا الطّرَف رجالُه المعدودون. وهو نمَط إعجابِ أدباء المشرق بهذه الجريدة».4

فأسُس الكتابة الأدبيّة الراقية لدى محمد البشير الإبراهيمي تمثُل في طائفة من الأسُس، من أهمّها:

1. رُقيّ الألفاظ والمعاني والأساليب. ولا يتأتَّى هذا الرّقِيُّ في نسْج الكتابة الأدبيّة، لكاتب من الكتّاب، حتّى يكونَ ألَمَّ على محفوظٍ غزير من النّصوص الأدبيّة راقٍ؛ إذ لا يُعقل أن ينبُغَ كاتبٌ كبيرٌ وهو لا يحفَظ نصوصاً أدبيّة كبيرة. وجِمَاع الشّأن في هذه المسألة هو ما يُطلِق عليه الشيخ «معرِض العربيّة الراقية». وواضح أنّ بعض المتأدّبين اليوم قد لا يقتنعون بمصطلح «العربيّة الراقية»، وهو مجرّد توهّم منهم ومُغالطة، وإقرار بالقصور؛ لأنّ كلّ اللّغات الإنسانيّة الكبيرة فيها مستوياتٌ متدرّجةٌ من التعبير. فلو أخذْنا اللّغة الفرنسيّة مثالاً في ذلك لألفينا لغةَ أناطول فرانس، وأندري جيد، وسَوائهما من عمالقة الكتّاب الفرنسيّين غيرَ لغةِ أيّ كاتبٍ صَحَفيّ فرنسيّ بسيط، أو أيّ روائيّ مبتدئ محروم. وإذن، فلا سواءٌ لغةٌ عالية سائلة تُمْتَحُ من ضِئْضِئِ الْمَعين، ولغةٌ بَكِيئةٌ تُؤْخَذُ من نهاية الساقية. فأيّ كاتب كبير إنّما يسْتميز باصطناع ألفاظٍ من اللّغة لا يصطنعها سَواؤُهُ من وجهة، وتكون هذه الألفاظ نفسُها بديعةً قشيبة عالية من وجهة أخرى، قبل أن نتحدّث عن الأفكار التي هي مطروحة في الطّريق، على حدّ مذهب أبي عثمان الجاحظ الذي عرَض في بعض كتاب «البيان والتبيين» تحدّث فيه عن كَلَفِ العامّة بصنف من الألفاظ لا تصطنعها الصفوة الصافية، مثل «البُرْمة» مكان «القِدْر»، والحنطة مكان «البُرّ»، و«الخِيار» مكان «القثّاء»،5 وهلمّ جرّاً...

ولو جئنا نبحث في اللّغة التي يصطنعها اليوم الإعلاميّون العرب لوجدناها أحَطَّ ما تكون نسْجاً، وأسَفَّ ما تكون ألفاظاً، إلى درجة أنّ بعض الكلمات يصطنعونها فيحسبونها من العربيّة وما هي من العربيّة في شيء، مثل قولهم: «طال» بمعنى امتدّ إلى...، أو أتَى على... وإنّما هو «طاَوَلَ يطاوِل»، وليس «طال يطال»، التي لا وجود لها في العربيّة... كما أنّ كثيراً من الجرائد اليوميّة في الجزائر تكتب الثاء، مثلاً، تاءً!... ولا تلتفت إلى اسم «إنّ» فترفعه إلى ما فُوَيْقَ قُنَنِ الجبال! بل ترتكب أخطاء إملائيّةً في العناوين، حتّى تعملَ بمبدأ «كذْبة المنبر بلقاء»، فتكتب ما هو بالضاد، بالظاء! واللّه المستعان على ما فرّط النّاس في مكانة العربيّة، على عهدنا هذا!... ونحن نَعجب من القائمين على هذه الجرائد كيف يتجرّءون على إيذاءِ العربيّة، والإساءة إليها، من خلال عبثِهم بقواعدها وإملائها؟... وكيف لم يفكّروا في توظيف أناس يعرفون العربيّة يصحّحون لجرائدهم اللّغة قبل القذْف بها إلى المطابع، ثمّ إلى القرّاء؟6...

وإذا كان النّاس أصبحوا يتحمّسون لتأسيس جمعيّات لحقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل... فما كان أولى للغَيَارَى على العربيّة أن يؤسّسوا جمعيّة لحقوقها!...  

وبحكم أنّ الإبراهيمي كان رئيس تحرير جريدة راقية، تمثّل مدرسة لغويّة وأدبيّة، فقد كان يومئ، فيما يبدو، إلى بعض هذه الكتابات الرّديئة التي كانت تَرِدُ على «البصائر» فحدّدَ مذهب هذه الجريدة العجيبة في الكتابة... فلْينظرِ النّاظرُ أين كنّا بالأمس،  من شأن العربيّة الإعلاميّة، وأين صرْنا اليوم؟ والإبراهيميّ بتحديده مستوى الكتابة الراّقية، حدّد تلقائيّاً مستوى الكتابة الدّنيا، وهي كما يقول: «ما ينحطّ عن تلك المنزلة، ولا يصل إلى درجة الإسفاف. وبين الطّرَفين أوساطٌ ورُتَبٌ تعلو وتنزِل. وهي مُضْطرَبٌ واسعٌ يتقلّب فيه كتّابُنا: من سابقٍ إلى الغاية مستشرِفٍ لبلوغها، ومُقْصِرٍ عن ذلك».7

2. وقد تمثَّل الإبراهيمي اللّغةَ معرضاً قائماً في سُوق أنيقة تُعرض فيها كرائمُ الألفاظ؛ وهو بذلك يكون قد حدّد، تلقائيّاً، مواصفاتِ هذه السّوق الرّفيعةِ التي ليست كأيِّ شيءٍ من الأسواق، تُعرَض فيها أيُّ بضاعة من البضائع الْمُزْجَاة؛ بل هي سوق تُجْلب إليها كرائمُ ألفاظِ العربيّة الْمُؤْتَنِقة، وعقائِلُ المفردات الْمُؤْتلقة...

وقد يكون الإبراهيمي أوّلَ من أطلق صفة الكرائم على الألفاظ العربيّة الراقية، فشبّهها ببنات الأكارم والأكابر من النساء؛ فإنّما تطلق الكريمة والعقيلة على المرأة الشريفة الحسيبة. فالكريمة تطلق في العربيّة على أرقَى الشيء وأجودِه مكانةً، وأشرفِه منزلةً. ولَمّا فكّر الإبراهيمي في صفة بديعة تظاهره على أن يصفَ بها ألفاظ العربيّة العالية لم يجد شيئاً غيرَ صِفَةِ «الكرائمِ» فوصَفَها بها، تعظيماً من شأن اللّغة، وتشريفاً لمنزلتها؛ وذلك بحكم أنّها مفتاح المعرفة، وأنّها الأداةُ الأولى للتواصل بين الناس في المجتمعات المتحضّرة. وأنّها، بالإضافة إلى ذلك، وبالقياس إلى المسلم، هي مفتاح الإيمان بتمكينه من فهْم نصّي القرآن والحديث، وهما أرقَى وأعلى ما في نسْج العربيّة على الإطلاق... وبمنْحِ هذه الصفة الكريمة لضرْبٍ من ألفاظ اللّغة خرج عن ذلك، منها، كلُّ ما لا يمكن أن ينضويَ تحتها من الألفاظ السّوقيّة، والكلمات التي ابتذلها الاستعمال فأفقدها ما قد يكون كان في أصلها من بهاء وجمال.

3. نجد محمّداً البشير الإبراهيمي يصطنع مصطلحيْن اِثنينِ في هذا المقام وهما: «المأنوس»، و«الغريب». فأمّا الغريب فهو معروف عند النّاس. وأمّا المأنوس فمصطلح من مصطلحات الشيخ لم نعثرْ عليه في المعاجم العربيّة بالمعنى الذي اصطنعه هو عليه. ولقد اصطنعه ليكون مقابلاً للّفظ الْحُوشيّ. فاللّفظ المأنوس هو الذي يستأنس له القرّاءُ أو المتلقّون فتقبَلُه أذواقُهم، ولا تنبو عنه أسماعُهم؛ وذلك على الرغم من أنّه كان في أصله غريباً حوشِيًّا. فالاستعمال الكثير لمثل هذه الألفاظ، في تمثّل الشيخ، هو الذي يصيّرها مأنوسةً مألوفةً لدى المتلقّين.

في حين أنّ الغريب إنّما يراد به إلى غرائب العربيّة ممّا يقلّ في الاستعمال، ويندر في الكلام بين النّاس، ولا يقع إلاّ بين الذين يعرفون اللّغة. بيد أنّ الإبراهيمي لا يُقرّ بوجود غريبٍ أصلاً، وذلك بحجّة أنّ الغريب ليس غريباً إلاّ على مَن لا يعرف العربيّة؛ وكأنّ من واجب الكتّاب الكبار أن يُلمّوا بهذه الألفاظ من العربيّة، ثمّ يصطنعوها في كتاباتهم حتّى تغتديَ مألوفةً مأنوسة، ومتداوَلةً مفهومة. ولو حُقَّ لنا أن نمثّل بمصطلحات من السياسة والاقتصاد والإعلام، لألفينا كثيراً من الكلمات جرتْ على ألسنة العوامّ، على هذا الزمان، بفضل استعمالها في اللّغة الإعلاميّة اليوميّة... وهذه مأثُرةٌ تُحسبُ لرجال الإعلام، بعد الذي كنّا قسَوْنا عليهم في اصطناع اللّغة المنحطّة! فكأنّ الشيخ كان يومئ إلى بعض هذا بقوله: «وغريب يصيّره الاستعمال مأنوساً».

4. وبحكم هذه المبادئ التي وضعَها الإبراهيميّ للغة الكتابات التي كان يمكن أن تُقبَلَ للنّشر في «البصائر»، فقد كان يُضطرّ إلى إهمالها إذ يقول عن ذلك: «ولكنّ بعض الكتّاب، هداهم اللّه رُشدَهم، بالَغوا قبل أن يبلُغوا، فهم يوافوننا بمقالاتٍ دون الطّرَف الأدنى، فنُضطرُّ إلى إهمالها اضطراراً، فيلوذون بحقّ «التشجيع». (...) ولْيفْهَموا أنّ الاعتماد على التشجيع، مُعْطش ومُجيع»!8

وبفضل هذه الصرامة اللّغويّة أصبحت جريدة البصائر مدرسةً أدبيّة، مثارَ إعجاب المشارقة والمغاربة جميعاً؛ فكان أدباءُ ومثقّفون منهم يحفظون نصوصاً من مقالات الإبراهيمي فيستظهرونها استظهاراً؛9 فلم يتكرّر ذلك في تاريخ الصحافة الوطنيّة، حيث إنّ لغة جرائدنا اليوم هي أقرب إلى العامّيّة منها إلى الفصحى!... حتّى أصبح الواحد يخشَى على لغته -بالإقدام على قراءتها- مِن لغتها!...

          ثانياً. لغة السرور لدى  الإبراهيمي

إنّ الذي يعود إلى افتتاحيّة «البصائر» الثانية التي دبّجها يراعُ محمدٍ البشير الإبراهيمي يندهش لذلك الفيْض الفائض من العربيّة التي كانت تنثال على قريحته انثيالاً، وتُقْبل عليه أرسالاً أَرْسالاً، فتحسّ كأنّه كان يدفعها عنه فلا تندفع، ويُبعدها عن يراعه فلا تبتعد... لقد كان في نفْس الشيخ شيءٌ ولو ظلّ خفيًّا من الأريحيّة والسعادة والسرور وهو يدبّج تالِك الافتتاحيّةَ العجيبة للعَدد الأوّل من جريدةٍ، كالخَريدة؛ وصحيفة، كالأَنِيفَة،  وجميلة، كالْبَتِيلَة؛ ظلّت متخفّيةً قريباً من سبعِ سنواتٍ عجافٍ، على الرغم من تطلّع كثير من النّاس إلى قراءتها أثناء تغيّبها؛ وكأنّ الشيخ أحسّ بشيء خارجيّ يتهدّد ذلك المشروعَ الإعلاميّ الجميل، فالْتمس من اللّه تعالى وهو يجأَر له بالدعاء أن يكلأ مشروعه الكبير، وأن يثبّته فلا يتعثّر، وأن يبارِكَ فيه فلا يتبخّر؛ فتكونَ تلك الابتهالاتُ، كما يقول الشيخ نفسُه، بمثابة «عُوذَةٍ للجريدة في طَوْرها الجديد»، حين كتب هذه اللّوحة:

«اللّهمَّ يا ناصرَ المستضعَفين انصُرْنا وخُذْ بنواصِينا إلى الحقّ ؛

واجعلْ لنا في كلّ غاشيةٍ من الفتنةِ رِدْءاً من السّكينة ؛

وفي كلّ داهمةٍ من البلاء دِرْعاً من الصبر ؛

وفي كلّ داجيَةٍ من الشّكّ عِلْماً من اليقين ؛

وفي كلّ نازلةٍ من الفَزَع واقيَةً من الثبات ؛

وفي كلّ ناجمةٍ من الضَّلال نُوراً من الهداية...».10

فهذا الابتهال لا يعبّر عن حزن أو غضب أو قلق، بمقدار ما يعبّر عن أمل وتحفّز وتطلّع؛ فكأنّ العزم كان معقوداً، وكأنّ المسار كان مرسوماً، وكأنّ الخطّ كان مسطوراً، فلم يكن بقيَ لتحقيق الغاية إلاّ الْتماسُ العوْن من ربّ السماء...

وواضح أنّ العالِمَ بالأسلوبيّات يُدرك، من أوّل وهلة، البنية النّسْجيّة التي تتحكّم في تركيب هذه اللّغة، وسَوْق هذه الألفاظ. ومن أجل ذلك عرضْناها على طريقة الكتابة الشعريّة التي تظاهر على تبيُّن بنية نسْجها، وطريقة عرْضها. وكان من الأَوْلى أن تُكتبَ في الأصل كذلك. فالإبراهيمي يبني أحياناً نسْجه اللّغويّ على ما نُطلق عليه نحن «الوتَد الأسلوبيّ» في نسْج الأساليب العربيّة العالية؛ وذلك بوضْع مُرتَكَزٍ من الجملة في مستهلّ الكَلام يقوم عليه ما بعدَه فيتكرّر، ويظلّ هو واحداً لا يتعدّد، كقول أبي حيّان التوحيديّ، مثلاً، في إحدى عجائبيّات رسائله:

«كتبتُ إليك:

والربيعُ مُطِلٌّ، والزمانُ ضاحكٌ، والأرض عَروسٌ، والسماءُ زاهرٌ، والأغصانُ لدْنة، والأشجارُ وَرِيقَة،  والغُدْرانُ مترَعة، والجبالُ مبتسمة، والرياضُ مُعْشَوْشِبة، والْجِنان ملتفّة، والثّمارُ متهدّلة، والأوديةُ مطّردة...».11

فالوتَد الأسلوبيّ في كلام أبي حيّان، كما هو بادٍ من طريقة تقديمه في الكتابة، هو قولُه: «كتبت إليك». فواوُ الحال المتكرّرة هنا كأنّها تتضمّن تَكرارَ قوْلتِه الوَتَدِيّةِ الأولى، مع كلّ تشكيلة نسْجيّة في أسلوب هذا الكلام.12

وكذلك نسْجُ الكلام في أسلوب الإبراهيميّ، فالوتَد الأسلوبيّ الذي يقوم عليه لاحِقُ الكَلام هو قوله:

 «اللّهمّ يا ناصرَ المستضعَفين انصرْنا وخُذْ بنواصينا إلى الحقّ»، وهو الوتَد المركزيّ. وأمّا الوتد المباشر الذي يرتبط به نسْج الكلام فهو قوله: «واجعلْ لنا...» حيث إنّ بعدها تأتي تشكيلاتٌ نسْجيّة متماثلة يتكرّر فيها ضمنيّاً هذا الوتَد: «وفي كلّ داهمة...؛ وفي كلّ داجية...؛ وفي كلّ نازلة...؛ وفي كلّ ناجمة...».

ونلاحظ أنّ المادّة اللّغويّة التي نُسِجَ منها هذا الكلام متماثلةٌ بحيث نجد قيَماً لغويّة واحدةً هي التي تتكرّر متماثلةً لِتتشاكلَ فيما بينها، فتكوِّنَ نسْجاً عجيباً متناسقاً يشبه منغومةً موسيقيّة متجانسة، إلى درجة أنّه يمكننا تقديمُها في شكل معادلة، أو جدول تتماثل فيه القيم:

السكينة

من

ردءاً

الفتنة

من

غاشية

كلّ

في

الصبر

من

دِرعاً

البلاء

من

داهمة

كلّ

في

اليقين

من

عِلْما

الشّكّ

من

داجية

كلّ

في

الثبات

من

واقية

الفزَع

من

نازلة

كلّ

في

الهداية

من

نُوراً

الضلال

من

ناجمة

كلّ

في

 وببعض هذا التّفكيك يتبيّن لنا أنّ هذا النّصّ يقتصد في اصطناع اللّغة فلا يختلف فيها إلاّ خمسُ سِمَاتٍ لفظيّة في كلّ نَسيجةٍ أسلوبيّة، تتنوّع أربعَ مرّات، لكنّها في بنيتها النّسجيّة لا تمثّل الاختلاف، ولكنّها تمثّل الائتلاف؛ لأنّها مستويَةُ القيم الإيقاعيّة المتقابلة، فيتكرّر ذلك في النّسائجِ الخمسِ المعروضة للتشريح، كما يمثُلُ ذلك في الجدول الآتي:

ناجمة

نازلة

داجية

داهِمة

غاشية

الضلال

الفزع

الشك

البلاء

الفتنة

نُوراً

واقيَة

عِلْماً

دِرعاً

ردءاً

الهداية

الثبات

اليقين

الصبر

السكينة

في حين أنّا نجد النّصّ يصطنع أدواتٍ أخرى من الكلام فتتكرّر بنفسها متقابلة على سبيل التشاكل اللّفظيّ، وهي:

في = وتتكرّر خمسَ مرّاتٍ؛

كلّ= وتتكرّر خمسَ مرّات؛

مِن + من = وتتكرّر هي أيضاً خمسَ مرّات.

فهذه الأدوات تتردّد، بحكم ذلك، عشرين مرّة عوض مرّةٍ واحدة، في بقيّة السمات اللّفظيّةِ التي وقع منها، أو بها، تدبيجُ النّسائجِ الخمسِ.

غير أنّ الاختلاف الذي حدث في بقيّة السّمات اللّفظيّة لم يكن إلاّ صوريّاً، لأنّ كلّ سمة لفظيّة تشاكل صِنْوتَها اللّفظيّةَ الأخرى كما قدّمناها. كما أنّها تتشاكل من حيث معناها فنجدها تتقارب فيما بينها، كما يبدو ذلك من خلال عرْضها في الجدول السّابق.

فكلّ تشكيلة من السّمات، كما عُرِضتْ في الجدول، تُفضي إلى معانٍ متقاربة تجعلها تتشاكل فيما بينها من وجهة، وتتباين حين تتقابل من وجهة أخرى:

الفتنة؛ البلاء؛ الشكّ؛ الفزع؛ الضلال: وتجسّد هذه، فيما بينها، التشاكلَ المعنويّ؛

السكينة؛ الصبر؛ اليقين؛ الثبات؛ الهداية: وتجسّد هذه السماتُ اللّفظيّة أيضاً التشاكل المعنويّ فيما بينها. فكأنّ هذه القيم اللّغويّة يوازيها السّلّم الرياضيّاتيّ: أ+ أ+ أ+ أ+ أ= 5 أ

لكنّنا إن قابلناها، ولا بدّ من ذلك –لأنّ في الاختلاف تثبت الدّلالة- تتولّد عنها قِيَمُ التباين، إذ:

الفتنة تقابلها السكينة؛

البلاء يقابله الصبر؛

الشّكّ يقابله اليقين؛

الفزع يقابله الثبات؛

الضلال تقابله الهداية.

من حيث يوازي هذه القيمَ اللّفظيّة المختلفة المعاني ما يمكن تقديمه على هذا النحو:

(أ+ ب) + (أ+ب) + (أ+ب) + (أ+ب) + (أ+ب)= 5أ + 5ب

غير أنّ كلّ ذلك لا يكشف عن سرور الإبراهيمي ولا استفزاز السعادة لنفسه؛ ولكنّ الذي يكشف عنه ما في بعض الفقرة الآتية من المقالة الاستهلاليّة نفسِها، وذلك حين يقول:

«وهذه جريدة «البصائر» تعود إلى الظهور بعد احتجاب طال أمده؛ وكما تعود الشمس إلى الإشراق بعد التّغيّب، وتعود الشجرة إلى الإيراق بعد التّسلّب؛ فلا يكون اعتكار الظلام، وإن جلّل الأفق بسَواده، إلاّ معنىً من معاني التشويق إلى الشمس. ولا يكون صُرُّ الشتاء، وإن أعرى الأشجارَ باشتداده، إلاّ خَزْناً لقوّة الحياة في الأشجار. والشمس موجودة وإن غابتْ عن نصف الكون، والشجرة حيّةٌ وإن أفقدها الصُّرُّ جمالَ اللّون. كذلك صحيفة البصائر احتجبتْ صورتُها عن العِيان، وإن كانتْ حيّةً في النفوس ممثَّلة في الأفكار».13

لكي نتحسّس جمال النسْج، وأسرار الصّناعة الأسلوبيّة في هذا الكلام، علينا أن نعيد تقديمه نسائجَ نسائجَ، حسَبَ ما كان في أصل الصناعة الكلاميّة، مع ضرورة النَّبَهِ إلى قيام كلام عامّة كبار الكتّاب في العربيّة على التُّكَأَةِ على ما نطلق عليه «الوتَد الأسلوبيّ» الذي هو كلام غير متناسق نسْجيّاً مع ما بعده من الوجهة الإيقاعيّة؛ ولكنّه يظلّ مُرْتَكزاً ضروريّاً لقيام الدّلالة:

1. الوتد الأسلوبيّ:

«وهذه جريدة البصائر تعود إلى الظهور بعد احتجاب طال أمدُه»:

2. عرْض النّسائج الناشئة عن هذا الوتد:

النّسيجة الأولى:

 -«وكما: تعود الشمس إلى الإشراق، بعد التّغيّب؛

-وتعود الشجرة إلى الإيراق، بعد التّسلّب.

النسيجة الثانية:

 -فلا يكون اعتكارُ الظّلامِ: وإن جلّلَ الأفقَ، بسَواده، إلاّ معنىً من معاني التشويق إلى الشّمس؛

-ولا يكون صُرُّ الشّتاء: وإن أعرى الأشجارَ، باشتداده، إلاّ خَزْناً لقوّة الحياة في الأشجار.

النسيجة الثالثة:

-والشمس موجودةٌ، وإن غابتْ عن نصْف الكون؛

-والشجرةُ حيّةٌ، وإن أفقدها الصّرُّ جمالَ اللّون.

النسيجة الخامسة:

 -كذلك صحيفة البصائر: احتجبتْ صورتها عن العِيان؛

- وإن كانت حيّةً في النفوس، ممثَّلةً في الأفكار».

لقد قطّع الكاتب الكلام تقطيعاً يشبه تنغيم مفاتيح الموسيقى؛ فلم يوضَعْ لفظٌ من المنسوجِ به خارج النّظام الأسلوبيّ المحكم؛ بل كلّ لفظة وُضِعت متماثلةً مع صِنوتها، ومتقابلةً مع مثيلاتها. وإذا كنّا فكّكْنا الكلام في هذه الفقرة المطروحة للتحليل إلى خمسِ نسائج14، فلأنّنا أقمناه على التقطيعات الداخليّة والخارجيّة لنسج النّص، ولأنّنا جئناهُ من باب تيسير تمثّل النّسْج الأسلوبيّ في هذا الكلام. خذ لذلك مثلاً النسيجة الأولى، تجدْها قائمةً على سِتِّ سماتٍ لفظيّة تتقابل فيما بينها لتكوّن التشاكل، أو التّآلف، الإيقاعيّ الداخليّ والخارجيّ معاً. فأمّا الإيقاع الخارجيّ فواضحٌ، وهو ما يُطلَقُ عليه في البلاغة العربيّة، ظُلْماً، «السجع»، وهو الماثل في قوله على سبيل التتالي والتماثل: «التّغيّب»؛ «التسلُّب». في حين أنّ الذي يعنينا في تحليل هذا النسْج الإيقاع الدّاخليّ؛ فهو الذي يحقّق جماليّة النسج الأسلوبيّ، أكثر من الإيقاع الخارجيّ، فإذا القارئ، أو المتلقّي، لا يدري أهو يستمتع بالموسيقى الخارجيّة للنسج، أم بالموسيقى الداخليّة له؟ والسّماتُ اللّفظيّةُ السِّتُّ التي تكوّن النسيجة الأولى من الوجهتين النّسجيّة، والإيقاعيّة معاً -كما يبيّن ذلك الجدولُ البيانيّ الآتي- هي:

التغيّب

بعد

الإشراق

إلى

الشمس

تعود

التّسلّب

بعد

الإيراق

إلى

الشجرة

تعود

ويُفضي بنا هذا التفكيك المجدْوَلُ إلى استخلاص ثلاثِ سماتٍ لفظيّة فقط، من أصل سِتٍّ، لأنّها تتكرّر بنفسها، فتتشاكل مُؤْتَلِفة، وهي:

تعود+ تعود؛ إلى+ إلى؛ بعد+ بعد.

في حين أنّ السّماتِ اللّفظيّةَ التي تكوّن النّظام الدّلاليّ بحكم اختلافها، في هذه النسيجة، يبلغ عَدَدُها سِتّاً، ولكنّها تختلف فيما بينها فتتقابل فتظلّ قائمة بنفسها، وهي:

الشمس، مقابل الشجرة؛

 والإشراق، مقابل الإيراق؛

 والتغيّب، مقابل التّسلّب.

وتمثّل الشمس القيمة الباقية، أو القائمة الوجود، ولو اختفت بفعل اللّيل إذا كَفَرَها، أو بفعْل السَّحاب إذا غَشِيَها، والإشراق هو الذي يُعيد إظهار هذه القيمة، وإبراز نفْعها؛ في حين أنّ الشجرة، بالمقابل، تظلّ هي القيمة الحيّة التي تقابل الشمس، والإيراق هو الذي يعيد إظهار نفْعها وجمالها. وأمّا سمتا «التّغيّب» و«التّسلّب»، فهما معْنَيَان غيرُ نافعيْنِ، وإنّما الذي يُفضي إلى دفْع أذاهما هو الإشراق في حال، والإيراق في حال أخرى.

ونلاحظ أنّ السّمات اللّفظيّة يتشاكل بعضُها، ويتباين بعضها الآخرُ. غير أنّ التشاكل بأنواعه المختلفة، لدى نهاية الأمر، هو الذي يتحكّم في نسْج هذا الكلام: فمِن تشاكُلٍ ينهض على تَكرار الألفاظ نفسِها، كما مَثُلَ ذلك من خلال تفكيكنا للّغة المنسوجةِ بها اللّوحةُ الكلاميّة، إلى تشاكُل معنويّ، وإيقاعيّ... فمن حيثُ التشاكلُ المعنويُّ نجد معنى الإشراق يلائم الشمس فيتشاكل معه على سبيل التلاؤم والتلازم، في حينِ نجدُ معنى الإيراق يتشاكل مع الشجرة فيكوّنانِ زوْجاً متشاكلاً. كذلك معنَيَا الشمس والشجرة، فهما يُحِيلانِ على الضياء والإشراق. والشجرة لا تكون شجرةً إلاّ بفضل توافُر الرطوبة والحرارة أيضاً، لها، فمعناها مُلازم، من بعض الوجوه لمعنى الشمس. وهناك تشاكُلٌ آخرُ يكمُن في الدّالّيّة لا في المدلوليّة، وهو الإيقاع الجامع بين الإشراق من وجهة، والإيراق من وجهة أخرى.  وأمّا سمتا التسلّب والتّغيّب فإنّهما يتشاكلان بحكم دلالة كلٍّ منهما على معنى السقوط والغياب والتّخفّي. وببعض رصْد هذه العلاقات السيمَائيّة نجد التشاكل يتغلّب على التباين في تدبير هذه النسيجة. 

ولو جئنا نحلّل هذه السّماتِ في عَلاقاتها الانتشاريّة والانحصاريّة لزاد الكلام اتّساعاً، بحيث إنّ معنى الشمس يغتدي منتشراً، مثله مثل الإشراق الذي يعني انتشار الضياء، فيتشاكل اللّفظان على سبيل الانتشار المعنويّ في تمثّل الدّلالة، أي إنّ تشاكلهما يغتدي مركّبَ العلاقة، بعد الذي كنّا رأينا من تشاكُلهما بحكم التلازم والتلاؤم. في حينَ أنّ الشجرة ذاتُ معنىً انتشاريّ بحكم امتداد أغصانها في الفضاء، وانتشارِ فروعها في الهواء. وأمّا الإيراقُ فهو حالةٌ تبتدئ صغيرة قليلة ثمّ تنتهي كبيرة كثيرة، بفضلها ينتشر الظّلّ في الأرض، وتنتشر الخضرة في الفضاء؛ فالسّمتان اللّفظيّتان معاً متشاكلتا العَلاقةِ الدّلاليّة، بالإضافة إلى ما كنّا رأينا من تشاكلهما التلاؤميّ من قبل. وأمّا التّغيّب والتّسلّب فهما يمثّلان الانحصار، ذلك بأنّ التغيّب يعني وقوع الشيء خارج الرؤية، وربما العلم، فهو في حُكم المنحصر. ومثله معنى التّسلّب الذي يعني هنا تساقط الأوراق ويَبَسِها وتلاشيها في الفضاء السحيق، فهي في حُكم المنعدم. وينشأ عن هذين المعنييْن تشاكلٌ يُقرأ انحصاريّاً. غير أنّنا بتعويم السّمات اللّفظيّة في إجراء التشاكل، انتشاراً وانحصاراً، يغتدي كلّ الكلام متشاكلاً، إمّا على سبيل تكرار الألفاظ، وإمّا على سبيل مُلاءَمِتها.

وحين نعود إلى متابعة السّمات اللّفظيّة التيس وقع منها نسْج الكلام السعيد نلفيها دالّةً على ذلك، تدرُج في مُضْطَرَبِها، وذلك كالشمس، والظهور، والإشراق، والإيراق... وأمّا السّمات اللفظيّة الدّالة على نقيضها، فلم يكون ذِكْرُها إلاّ نفياً لها لتبرير وجود ألفاظ السعادة والأمل والإشراق...

وعلى أنّا لا نودّ أن نحلّل النسائجَ الأربعَ الباقية، لأنّنا لو جئنا على ذلك لَمَا أمِنّا أن يمتدّ حجم هذه الدراسة إلى شكل كتاب، وذاك ما لم نرد إليه؛ وإنّما نريد أن ننتقل إلى كلام آخر لمحمد البشير الإبراهيمي، لننظرَ هل يختلف عمّا استشهدنا به في هذا الموطن... ولعلّ القارئ إن تقبّل ما نهضنا به من إجراءات التّحليل أن يستطيع النّسْج عليه إن شاء، ولو على سبيل المحاكاة...

وقبل أن ننزلق إلى الحديث عن لغة الإبراهيمي حين يحزن، نودّ أن نقف وقفة أخرى، عند كتابة أخرى، حين يستفزّه السرور، ويستخفّه الاغتباط؛ وذلك في كلمة كتبها عن الملك محمد الخامس عام 1948 تقديراً لمواقفه الوطنيّة من أجل استقلال بلاده. ولو جئنا نقرأ نفسيّة الإبراهيميّ التي حملتْه على أن يكتب ما يكتب، بالطريقة اللّغويّة الدّافقة التي كتب بها عن تلك الشخصيّة الكبيرة، لزعمْنا أنّ الجزائر يومئذ كانت تئنّ تحت أغلال الاستعمار، فلم يكن لها زعيمٌ مسلَّم، ولا قائدٌ محنَّكٌ، يُقرّ له الجميع بالفضل والسَّبْق، بل كانت الجزائر أحزاباً متصارعة، وأهواءً متنازعة، والشعبُ يئنّ تحت الذّلّ، ويرسف في قيود المهانة الاستعماريّة، والأملُ لا يزال بعيداً في التّخلّص من بلايا الاحتلال الغاشم، والأجنبيّ الجاثم؛ فلمّا جاء يكتب عن الملك محمد الخامس، كأنّه جاء يكتب عن الأمير عبد القادر، أو عن أيّ زعيم كبير يمتلك قوّة التحكّم وفرْض الشخصيّة والموقف في الوطن، فأسقطه على الملك إسقاطاً... فهو في هذه الكلمة كان كالمتنبي، لا ينبغي أن يؤْخَذَ كلامُه على ظاهره بالبساطة التي ينظر بها السّذّجُ إلى كتابات الكتّاب؛ ولكنّها كلمة كُتِبت الْتِماساً لرجل كبير في الجزائر، أو حتّى في المغرب العربيّ يومئذ، يقود الأمّة، ويخلّصها من الذّلّ والغُمّة... وليس معنى كلّ هذا أنّ محمدا الخامس لم يكن أهلاً لهذا التقريظ، ولا جديراً بهذا التّقدير؛ فقد كان وطنيّاً كبيراً، وضحّى بعرشه من أجل وطنه، وهو شأن قلّ أن يقوم به الرؤساء بلْهَ الملوك؛ ولكنّ الشيخ كان في نفسه ما زعمْنا، فخاطب محمداً الخامس، من حيث كان يبحث هو، في الحقيقة، عن محمّدَيْن خامسَيْنِ أحدِهِما في المغرب، وأحدِهما الآخَرِ في الجزائر، فكتب ما كَتب...

وأمّا حين نأتي لنبحث في شأن الطريقة النسجيّة التي كان يدبّج بها لغته حين يستفزّه السّرور، فإنّها في الغالب تحتفظ بعامّة الخصائص التي رأينا، فالإبراهيمي حين تستخفّه السعادة، أو حتّى حين يستفزّه الغضب، تنثال عليه العربيّة انثيالاً، فينسج منها لوْحاتٍ تكون أطواراً كالشعر أو أجملَ منه... وللّذِين سيدّعون أنّ بعض ما سنستشهد به مجرّد أسجاع، نقول لهم: لا، واللّه! ما كان الإبراهيميّ يبحث عنها فيتكلّفها، ولا كان يلتَمسها فيتصنّعها، كبعض ضعفاء الكتبة في العهود المنحطّة من تاريخ الأدب العربيّ، ولكنّ الرجل كان يُمْسك بمزبره، ويصرِف وهْمه إلى الكلام، فإذا الألفاظُ تنهال عليه انهيالاً، وإذا المعاني تنثال عليه انثيالاً، وإذا اللّغةُ تُقْبل عليه أرْسالاً أرسالا، كما كان الجاحظ يعبّر في وصْف الخطيب العربيّ حين كان يَصْرِف وَهْمَه إلى الكلام فيخطبُ النّاسَ في المآقط، ويكلّمُهم في المحافل... فكأنّ الإبراهيمي مشمولٌ في أولئك العرب الفصحاء البلغاء الذين كان يعنيهم الجاحظ، في مقالته، حقّا... ولأولئك نقول، تارة أخرى: إنّه لا سَواءٌ كاتبٌ يذهب إلى ألفاظِ اللّغة فيراودُها عن نفسها، ويخفِض لها جناح الذّلّ من الاستخْذاء، وهي عليه، مع ذلك، متأبّية متدلّلة؛ وكاتبٌ آخرُ اللّغةُ هي التي تُقْبل عليه لتُغْرِيَه بها، وتتمثّلُ له لتدعُوَه إليها، وتَزْدَلفُ منه لترغّبَه فيها، فتتزيّنَ له متبرّجةً، وتتجلّى له متعطّرةً متكسّرةً... فشتّانَ، إذن، بينَ الكاتبَيْن!

فلا عجبَ أن يعبّر الإبراهيميّ عن وجدانه الطّافح وهو يتناول شخصيّة محمد الخامس على نحو ما يأتي:

«وذِكْرَياتٌ من المجدِ التّليدِ تُثار،

وآفاقٌ من الفخْر الطريف تُنار؛

وسِمَاتٌ من مَخايِل البطولةِ تُشْهَر،

وصفحاتٌ من تاريخ العظمة تُنْشَر؛

ولمحاتٌ من الشَّرَف العلويّ الفاطميّ تُشِعّ، فتَشيع،

ونفحاتٌ من الغُرّ -الجلائل، من أعمال الأوائل-: تضوع، وتَذيع؛

وذخائرُ، من أخلاق الطّيّبين الأخايِر: تُجْبَى لوارِثِها؛

ومَفاخرُ، ممّا ترك الأوّلُ للآخِر: تُجْنَى لِهَمَّامِها وحارِثها15؛

وصورٌ من عِزّ الْمُلْك تُجْلَى، وسُوَرٌ من مكارم الأبوّة تُتْلَى؛

وشمائلُ من باني البيتِ إسماعيلَ تجلّتْ في محمد».16

نلاحظ أنّ الإبراهيميّ كأنّه يريد أن يرسم لوحة زيتيّة آسرة،  لا أنّه يكتب كلمة أدبيّة مزخرَفة؛ فهو يضع ألواناً معينة يمزجها بألوان معيّنة أخرى، حتّى تنسجمَ وتتناسق فيما بينها. من أجل ذلك تراه يبني ما نطلق عليه «النسائج» فيعرضها لقارئه ألواحاً ألواحاً، وكأنّه يكتب مفاتيح من أنغام الموسيقى، لا ألفاظاًَ من اللّغة، فتتناسق وتتناغم متتابِعةً ومتوازية ومتقابلة معاً، كما يتجسّد ذلك من خلال هذا الجدول المبيِّن أدناه:

تثار

التليد <