|
ليس
من اليسير أن يتأتى للكاتب أن
يجمع، فيما ينتج و يبدع، بين
الحقيقة العلمية، أو الحكمة
الخلقية، وبين الأداء البين
الجميل الذي تستطيبه الأذواق
وترتاح له العقول والقلوب جميعا.
ونسوق- فيما يلي- للإمام محمد
البشير الإبراهيمي، نموذجين:
إحداهما
يتعلق بتعريف حقيقة اجتماعية نذر
نفسه لنشرها في مجتمعة الجزائري
لينهض من كبوته ويفك أغلاله،
ويسترجع كرامته واستقلاله، أعني
بذلك معنى "الإصلاح" في أوسع
مدلوله، وأنبل مقاصده، منددا
بالعلماء الذين يريدون أن يقتصر
نشاط "جمعية العلماء" على
جانب اللغة والدين فقط، فيقول من
خطاب بعنوان: "الإصلاح الديني
لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي
" ألقاه بنادي الترقي في
الاجتماع العام الخامس لجمعية
العلماء المسلمين الجزائريين في
سبتمبر1936- جاء فيه: " يا ويح
الجاهلين، أيريدون من كلمة
الإصلاح أن تقول للمسلم قل: لا اله
إلا الله مذعنا طائعا، وصل لربك
آواها خاشعا، وصم له مبتهلا
ضارعا، وحج بيت الله أوابا راجعا،
ثم كن ما شئت نهبة للناهب، وغنيمة
للغاصب, ومطية ذلولا للراكب.
إن
كان هذا ما يريدون فلا، ولا قرة
عين، و إنما نقول للمسلم، إذا
فصلنا، كن رجلا عزيزا، قويا،
عالما، هاديا، محسنا، كسوبا،
معطيا من نفسك، آخذا لها، عارفا
بالحياة، سباقا في ميادينها،
صادقا، صابرا، هينا إذا أريد منك
الخير، صلبا إذا أردت على الشر. و
نقول له إذا أجملنا: كن مسلما كما
يريد منك القرآن وكفى".
واستمتع
أيها القارئ الكريم بالحقائق
الاجتماعية تنساب إلى مداخلك
موقرة زاهرة زاهية صيغها البيانية
الراضية المرضية. أما النموذج
الثاني فتلتمسه في مجال العقائد
الدينية التي يتهيؤه الدارسون
والمدرسون لخطورة شأنه وأثره،
هداية وضلال ونجاة وهلاكا وخاصة
العنصر السادس من عناصر الإيمان:
"القضاء والقدر" تعالى نتجول
فيما جاءت به قريحة، ولأستاذ
الإيمان في الخطبة التي أم بها
صلاة أول جمعة صليت في عهد
الاستقلال بجامع كتشاوة – الذي
كان أول ما حول المحتلون
الفرنسيون إلى كنيسة {كاتدرائية}
– أنظر إلى الإبراهيمي كيف يصور
هاذين الحدثين الحاسمين في تاريخ
الجزائر،أعني الاحتلال في 1830 م
والاستقلال في 1962م بالمعنى الصحيح
للقضاء والقدر، خلافا لمذهب "القدرية"
القائلين بأن الناس يخلقون
أفعالهم، وخلافا للجبرية
القائلين بأن لا أثر للناس في
أفعالهم مطلقا، فيقرر العامل
الحقيقي للحدثين معا. فيقول :"
سبحانه تعالى جده تجلى على بعض
عباده بالغضب والسخط ، فأحال
مساجد التوحيد بين أيديهم إلى
كنائس التثليث، وتجلى برحمته
ورضاه على آخرين، فأحال فيهم
كنائس التثليث إلى مساجد للتوحيد،
وما ظلم الأولين، لا حابى الآخرين
، ولكنها سنته في الكون وآياته في
الأفاق،يتبعها قوم فيفلحون و يعرض
عليها قوم فيخسرون وأ شهد أن لا
إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر
عبده، و أعز جنده و هزم الأحزاب
وحده ، وأشهد أن محمد عبده
ورسوله،شرع الجهاد في سبيل الله
وقاتل لإعلاء كلمة الله، حتى
استقام دين الحق في نصابه وأدبر
الباطل على كثرة أنصاره وأحزابه،
وجعل نصر الفئة القليلة على الفئة
الكثيرة منوطا بالإيمان
والصبر،صل الله عليه وآله وأصحابه
وكل متبع لهداه،داع إلى يوم الدين
".
بهذا
التفسير السني لعقيدة " القضاء
و القدر " وزن الإمام
الإبراهيمي حادث احتلال فرنسا
للجزائر وحادث استقلالها ليوجه
الشعب الجزائري إلى أن انتصارهم
في كل معركة يقتضي الأخذ بجميعي
الأسباب والتبصر في الوسائل و
المراح، واختيار الكفاءات في كنف
الإيمان و الإخلاص و الوحدة،
اليوم و غدا و بعد غد.
|