حاوره: عبد المالك حداد /
عبد الحق عباس
قسنطينة مدينة العلم والعلماء، الساحرة بجسورها
المعلقة، الزاخرة بتاريخ سيرتا العريق، الجذابة
بجامع الأمير عبد القادر وجامعته، الشهيرة بمفكرها
وعلمائها وأدبائها، ولعل من أبرزهم الشيخ العلامة
عبد الحميد بن باديس، من أجل هذا إلتقينا الأستاذ
عبد الحق بن باديس الأخ الشقيق للإمام عبد الحميد،
وبرفقته كان لنا هذا الحوار.
من أول وهلة
لما تنظر إليه يتخيل لكم أنه الشيخ عبد الحميد بن
باديس نظرا لمدى التشابه بينهما، زد إلى ذلك
حيويته ونشاطه رغم تقدمه في العمر. اللقاء كان
أمام المنزل بشارع مكي بن باديس (في القصبة)،
لنتوجه بعدها إلى مسجد سيدي قموش، الذي قال عنه :
"هذا هو مسجد سيدي قموش يعود تاريخ إنشائه إلى
القرن التاسع للهجرة (15 م)، حيث عندما دخلت
السلطات الاستعمارية الفرنسية لمدينة قسنطينة
استحوذت على المساجد والأماكن المُحَبَسَة (وقف)
فيها من جملتها هذا المسجد الذي كان ملك جدنا
الشيخ المكي بن باديس، ورثه عن والده محمد كحول بن
مناه، كما كان يوجد مسجد آخر للعائلة "مسجد آل
باديس" استحوذت عليه سلطات الاستعمار وهدمته وبنت
على أنقاضه ثكنة ومساكن لجيوشها في القصبة، وكان
فيه ضريح أحد أجدادنا الشيخ بركات بن باديس، وقد
تم نقل الرفاة إلى مسجد سيدي قموش بعدما لجأ جدنا
المكي لإعادة شراء المسجد عام 1868 م.
ثم دخلنا الغرفة الأولى
الموجودة مع مدخل المسجد ووجدنا فيها ضريحا، فكان
سؤالنا لمن هذا الضريح؟
هذا الضريح هو
لبركات بن باديس، فبعد أن هدمت فرنسا مسجد آل
باديس عمد جدنا الشيخ المكي بن باديس وابن عمه إلى
شراء بعض الدكاكين في المدينة القديمة بالإضافة
إلى مسجد سيدي قموش ومسجد سيدي لخضر وقاموا بتقسيم
الأملاك فاستقر الشيخ المكي بمسجد سيدي قموش وابن
عمه الشيخ العربي بمسجد لخضر.
في صفر 1308 م/جويلية 1890 م نقل الشيخ المكي
رفاة الشيخ بركات بن باديس إلى مسجد سيدي قموش
وتقرؤون على اللوح الموضوع فوق الضريح : في شهر
صفر 1308 هـ نقل هنا ضريح الشيخ العالم المقدس
المفضل المشهور بالعلم والأخلاق بركات بن باديس.
وقد سبق لجدنا المكي بن باديس أن جعل المسجد
حبس لله للصلاة والتعليم القرآني، ليرزقه الله بعد
شهر بحفيده الشيخ عبد الحميد بن باديس في 04
ديسمبر 1989 م.
على ذكر الوالد الكريم هل
كان قاضي في فترة الاستعمار؟
لا لا الشيخ
المكي هو الذي كان قاضيا، أما الوالد فكان فلاحا
حيث كان يملك أراضي في قسنطينة ببلدية ابن باديس
التي كانت تسمى قديما الكيدلية واد زناتي.
ماذا تمثل هذه الغرفة التي يتواجد
بها الضريح ؟
هذه الغرفة كانت مستغلة من
طرف الطلبة للإقامة، لكنها مقتصرة على البعض منهم
خاصة الذين يقيمون في أماكن بعيدة.
وفي عام 1924 م قام الوالد الشيخ محمد المصطفى
والد الشيخ بن باديس بإضافة طابق ثاني للمسجد،
ليظهر على شكله الحالي وقد قامت سلطات الولائية
لمدينة قسنطينة بترميم هذا المسجد في أفريل 2002 م
ترميما شاملاً حيث انتهت الأشغال في رمضان 1424
هـ/ أكتوبر 2003 م
تعالوا معي الآن نرى بقية المسجد في الطابق
الثاني.
هذه الغرفة على اليمين بعد صعود السلم هي مقر
الشيخ عبد الحميد ابن باديس لما كان يدرس في
الجمعية الخيرية حيث كان يحبذ الجلوس بها ويحضر
الدروس فيها وبعدها يذهب للتدريس في الجامع الأخضر
وبقي كذلك حتى تم شراء المدرسة الخاصة حيث تم
تخصيص مكتب خاص للشيخ ابن باديس. بعد هذا أصبح
مكان لإلقاء الدروس لكن ليس من طرف الشيخ الذي كان
يدرس بالجامع الأخضر، بل من طرف بعض تلاميذه الذي
كانوا يساعدونه في التدريس حيث أدرج المسجد في
نظام دروس الجامع الأخضر وسيدي بومعزة وبقي كذلك
إلى آخر سنة دراسية 1939 – 1940 م ونظرا للدور
العظيم الذي لعبه مسجد سيدي قموش أثناء النهضة
الإصلاحية التي قام بها الشيخ عبد الحميد بن
باديس، وبعد وفاته يوم 16 أفريل 1940 م أدرجت
جمعية العلماء المسلمين مسجد سيدي قموش في
منظمومتها التعليمية كملحق لمعهد ابن باديس من سنة
1945 إلى 1957 م.
ماذا عن هذه القاعة
الكبيرة الموجودة في الطابق الثاني ؟
هذه
القاعة مخصصة لصلاة الجماعة لأوقات الظهر والعصر
فقط، وكذلك تقام بها كل شهر رمضان من كل سنة صلاة
التراويح ولم نتأخر عنها أبدا.
هل كان الإمام بن باديس يقيم
الصلوات هنا ؟
في بعض الأحيان عندما يكون
متواجدا في المسجد هو الذي يقوم بإمامة الصلاة
وبعد وفاة الإمام كان الإمام بوكرش يؤم المصلين.
اطلعت على أحد حواراتك أنك كنت
تلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس ؟
لا أنا
كنت تلميذ في المدرسة التعليمية وفي عام 1937 م
انخرطت في دروس الجامع الأخضر في السنة الثانية،
بعدها كنت في ثلاثة سنوات الأخيرة من عمره أحد
طلبته.
على ذكر السنوات الأخيرة، ماذا
لاحظت في الساعة الأخيرة من حياة الإمام عبد
الحميد ؟
الموت حقا وبطبيعة الحال كانت
حسرة لأنه أخي وكنت صغيرا في ذلك الوقت، الشيء
الذي أذكره أنا الوالد وأخي وجميع أفراد العائلة
تأثروا حينها بمصاب الإمام.
ما قولك في ما ورد في بعض المراجع
أن سبب وفاة الإمام كان ناجم عن تسمم والبعض الآخر
يقول على مرض ؟
لا هذا ولا ذاك، الإمام
كان ضعيفا والإرهاق هو السبب الرئيس، حيث كان يعمل
ويجتهد دون كلل في الوقت الحالي الفجر كان على
الساعة الثالثة، والوقت في زمانه كانت الساعة
الرسمية تشير إلى الثانية حيث يتواجد في جامع
الأخضر ليلقي دروسه ويبقى قائما إلى صلاة الظهر،
وبعد الصلاة يرتاح قليلا لتناول الغذاء، ليعاود
النشاط مع صلاة العصر لإدارة المعهد (جدول أعمال
مليء) نعم ويختمها بدرس في تفسير القرآن في الجامع
الأخضر بعد صلاة العشاء وكان دائما على المنوال
لمدة خمسة وعشرين سنة، أنظر لهذا الرجل العظيم
يبدأ نشاطه من بعد صلاة الفجر إلى غاية صلاة
العشاء دون توقف.
والشيء الذي أرهقه هو مرضه
في السنوات الأخيرة من حياته، التي تزامنت مع
الحرب العالمية الثانية، وتعرض لعدة مضايقات حيث
أوقفت سلطات الاحتلال الصحافة التي كانت تدعم
أفكاره الإصلاحية، كما قيدت تجواله حيث لم يك
بمقدوره الخروج من مدينة قسنطينة !... للعلم البعض
كان يقول أن الإمام كان تحت الإقامة الجبرية، فهذا
خطأ لأنه في ذلك الوقت كانت الأجواء مشحونة مع
الحرب المندلعة وكان الواحد منا عندما يريد الخروج
من بلدية لبلدية عليه أن يصدر تصريحا من الشرطة
التابعة لسلطات الاحتلال وكان من المحال أن يطلب
الإمام ذلك من سلطات الاحتلال في عديد المرات
وزيادة على هذا كان صديقه وحبيبه الشيخ محمد
البشير الإبراهيمي منفيا في أفلو (ولاية الأغواط
حاليا)، كل هذه العوامل تؤثر على إرادة وعزيمة
الفرد.
قرأت في مقالات الشيخ المرحوم أحمد
حماني أن الإمام عبد الحميد بن باديس كان يحضر
للثورة؟ وأنت تعلم أن أحمد حماني أحد تلاميذه
وعنده أدلته وشواهده ويؤكد أن الثورة استمدت
مبادئها من أفكار الإمام؟
نعم كان يفكر
ويمهد للقيام الثورة وأكبر دليل مقولته:
|
خُذْ لِلحَياةِ سِلاَحَه وَاْرفعْ مَنارَ الْعَدْلِ وَالإ وَاقلَعْ جُذورَ الخَائنينَ وَأَذِقْ نفُوسَ الظَّالمِينَ وَاهْزُزْ نفوسَ الجَامِدينَ مَنْ كَان يَبْغي وَدَّنَا أوْ كَانَ يَبْغي ذُلَّنا
|
|
وَخُضِ الخْطُوبَ وَلاَ تَهبْ حْسانِ وَاصْدُمْ مَن غَصَبْ فَمنْهُم كُلُّ الْعَطَبْ سُمًّا يُمْزَج بالرَّهَبْ فَرُبَّمَا حَيّ الْخَشَبْ فَعَلَى الْكَرَامَةِ وَالرّحبْ فَلَهُ المهَانَةُ والحَرَبْ
|
ما معنى هذا؟ هي طريقة لتوجيه الشعب وترغيبه
على فك قيود الاستعمار.
الجزائر مقبلة على مصالحة
وطنية، ولدينا سماة كبيرة نستلهمها من أسلافنا،
وقد سبق لفخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز
بوتفليقة في خطابه أمام المشاركين في الملتقى
الدولي للشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى ضرورة أن
نستمد فكرة المصالحة من فكر هؤلاء العلماء
العظماء؟
الشيخ عبد الحميد بن باديس كان
عندما يقول أي قصيدة يقولها أمام الشعب في مختلف
التظاهرات والدروس والمحاضرات كاحتفالات المولد
النبوي الشريف، أو المدرسة التعليمية... إلا أن
هناك احدى القصائد تحمل في آخرها نصيحة سبق للشهاب
أن أصدرتها مع صورة للإمام عبد الحميد وهو جالس
ماسك كتاب الله "القرآن الكريم" وهو ينظر إليه
وبعدها يقول :
سينحل جثماني إلى الترب أصله *** وتلتحق
الورقا بعالمها الأسما
أنظر كأنه ليس هو الذي يقولها بل القارئ لا
لشيء سوى ليحس بها القارئ (يحس بالنصيحة) وتدخل في
القلوب .
|
سينحل جثماني إلى الترب أصله وذي صورتي تبقى دليلا عليها وعن صدق احساس تأمل فإنَّ وسامح أخاك إن ظفرت بنقصه
|
|
وتلتحق الورقا بعالمها الأسما فإن شئت فهم الكنه فاسنطق الرسما في ملامح المرء ما يكسب العلما وسل رحمة ترحم ولا تكتسب إثما
|
شيء آخر في سنة 1926 م أقدم أحد جماعة العلوية
لمحاولة اغتياله، والحمد لله ستره الله فألم عليه
الناس وحاولوا القضاء عليه لولا تدخل الشيخ عبد
الحميد بن باديس الذي أوقفهم، وهنا تحدوني قصيدة
قالها الشيخ الطيب العقبي من جملتها يقول للإمام :
لله موقفكَ العَجِيبُ بِنَهيهم *** عَنَ
قَتْلِ مَنَ قتل قَدَ أَتَاك
ونهار يوم الحكم (الشرع) عفى
عنه الإمام وقال لهم حاسبو اليد التي أمدته
بالسلاح، أما هذا المسكين المغرر به فهو مأمور
وليس بيني وبينه شيء. وإذا أرادت العدالة أن تؤدي
عملها فعليها اتباع الجهة المسؤولة على تسليح
المغرر به.
أكيد أن لديكم موروثا ثقافيا وعندكم
كذلك مؤلفات وجرائد كبيرة للشيخ عبد الحميد بن
باديس، من أهم الأشياء التي تذكرها له ومازلتم
تحافظون عليها من الكتب والمؤلفات لديكم؟
من أهم مؤلفاته قام بجزئيين من كتاب عواصم
من القواصم ويحكي خلالها على أنه إطلع على الكتاب
في خزينة جامع الزيتونة ولم يسبق لأحد أن اطلع
عليه، لكن بحسب العلاقة الجيدة التي كانت تربطه مع
مشايخه، سمحوا له من الإطلاع عليه وقام بتصحيحه
وطبعه.
فحوى هذا الكتاب المؤلف، أكيد فيه
معلومات كبيرة، ومواضيع ركز عليها الشيخ عبد
الحميد بن باديس ؟
نعم أكيد، لكن لا
يمكنني ذكر جميع ما احتواه الكتاب، واكتفي أن
أعلمكم بأني وضعت الكتاب للطباعة هذه الأيام
للطباعة مرة أخرى في مطبعة دار الهدى بعين مليلة.
على ذكر الطبع، هل هناك
اهتمام بطبع كتب ومؤلفات الشيخ عبد الحميد بن
باديس ؟
الإمام لما قالوا له لماذا لا
تكتب وتؤلف قال لهم إنما أنا أؤلف الرجال، وكان
المشكل التي واجهه كيف يسجل دروسه خاصة تفسير
القرآن ؟ حتى صدرت جريدة الشهاب التي كان يكتب في
كل افتتاحية منها آية من الآيات القرآنية ويفسرها
وقد تم جمعها في كتاب "مجالس التذكير " الذي
أصدرته وزارة الشؤون الدينية. بقي "المنتقد" لقد
وضعته في الطباعة أيضا وقريب يصدر العدد الأول حيث
يتكون من ثلاث عشرة عددا، وقد وضعت كلها للطباعة.
بارك الله فيك أستاذنا الكريم، وإلى الملتقى
إنشاء الله
وهكذا تسنى لنا زيارة الحي ومسكن الشيخ عبد
الحميد بن باديس، فشكرا للأستاذ عبد الحق بن باديس
على مساعدته وتعاونه معنا.